الجمعة، 13 مارس 2020

الملك أحمس وعائلة الشهداء


الملك أحمس وعائلة الشهداء

الملك أحمس وعائلة الشهداء


د. محمود المحمدي عبد الهادي


حكم أحمس الأول ما يقرب من خمسة وعشرين عاماً، وكان من أبرز ملوك الأسرة الثامنة عشرة، وقد اعتز المصريون القدماء به، وبجلوه للدور الذي قام به للتخلص من الهكسوس وتوج الكفاح الذي بدأه أبوه الملك "سقن رع" وأكمله اخوه الملك كامس (كامواز) من قبله. وأصبح اسم أحمس يرتبط في مخيلة المصريين بالتحرير والخلاص من القهر والاستبداد والاستعمار، فهو مخلصهم من الاحتلال وهو قاهر الهكسوس.

حيث أن هذه العائلة المناضلة أخذت على عاتقها الدفاع عن مصر حيث سجلت النصوص المصرية أن الملك كامس ابن الملك سقن رع والأخ الأكبر للمحارب أحمس هو الذي تولى قيادة الجيش بعد استشهاد أبيه خلال إحدى المعارك حيث قال: انظروا فإنكم ستجدون الآسيويين قد حكموا مصر حتى "الأشمونين" إنني سأهاجم ملكهم، وأبقر بطنه بيدي، وكل أملي أن أخلص مصر من الآسيويين، وأطردهم شر طردة إنني أريد أن يتحدث كل منهم عني قائلاً: "ها هو كامس محرر مصر".

ولكن لم يسعف الحظ هذا الملك الشجاع ونالت منه الشهادة فى إحدى المعارك الضارية التى أثبتت وشهدت على شجاعته أنه المناضل والمحارب الملك الشهيد كامس.


وبالفعل انتصر الملك كامس على الهكسوس بالقرب من الأشمونين، ولكنه سقط شهيداً ليتولى أخيه الملك أحمس قيادة الجيش المصري، ويبرع فى دحر الهكسوس واقتحام عاصمتهم "أواريس" (حالياً تل الضبعة مركز فاقوس، محافظة الشرقية) تحصنوا في حصن "شاروهين" في جنوب "غزة". وظل الجيش المصري يحاصرهم حتى سقط الحصن، وقضى الجيش المصري على بذرة "الهكسوس" تماماً فى مصر.

وذكر القائد "أحمس بن أبانا" حيث أنه في نظر المؤرخين المحدثين أهمَّ شخصية بين موظفي عهد أحمس الأول، وقد كان يحمل الألقاب التالية: (١) رئيس بحارة الفرعون. (٢) ورئيس بحارة ملك الوجه القبلي والوجه البحري الملك «زسر كارع» (أمنحوتب الأول). (٣) وحاجب الملك.  أنه اشترك في محاصرة مدينة الهكسوس " حت وعرت"، "أواريس"، التي سقطت بعد ثلاث حملات. والتى بسقوطها هجرها الهكسوس وعبروا سيناء متجهين إلى فلسطين فتتبعهم الملك أحمس بجيشه حتى استقروا في مدينة "شاروحين" في جنوب غرب فلسطين، فحاصرها المصريون ثلاث سنوات متتالية حتى استسلمت هذه المدينة.

ويذكر القائد أحمس أيضاً فى نصه المعاصر لتلك المعارك أن المعارك دارت في البر والبحر عدة مرات، ويفهم منه أيضاً أن المصريين استولوا أولاً على منف، ثم اتجهوا إلى أواريس فاقتحموها عنوةً، ودمروها وأسروا وأجبروا غالبية أهلها على الفرار، ثم تتبعوهم عبر سيناء إلى أن تم حصارهم في مدينة "شاروحين".


ومن الألقاب التى حصل عليها الملك أحمس في حياته هي ابن آمون رع من جسده ومحبوبه ووارثه، ومَن أعطى له عرشه، الإله الطيب حقيقة، قوي الساعد والذي لا يشوبه مين، وإنه أمير يشبه الإله رع وتوءم ولدي جب (إله الأرض) ووارثه الذي يتمتع بالسرور، وصورة ﻟ رع الذي فطره، والمنتقم له الذي جعله على الأرض، والذي يضيء دهورًا، رب الانشراح، ومانح النفس في أنوف السيدات، والشديد البأس معطي الحياة، ومقيم العدالة، ملك الملوك على كل أرض، الملك له الحياة والعافية والصحة الذي يضم الأرضين، عظيم الاحترام، القوي في الظهور.

لا عجب في أن نرى أحمس يصف نفسه بهذه الأوصاف، ويجعل قومه المدينين له يردِّدونها بصوتٍ عالٍ، فهو جدير بكل مراسيم الاحترام، وآيات الحب والإعظام؛ لأنه هو الذي خلَّصَ البلاد من ربق العبودية الأجنبية.

ثم نرى بعد ذلك أحمس يوجِّه عنايته نحو إصلاح ما أفسده الدهر من آثار إلهه العظيم «آمون»، الذي كان بزعمه قد هيَّأَ له النصر على الأعداء، هذا فضلًا عن أنه كان إله الدولة، وحامي حماها، فأمر بصنع أوانٍ جديدة لمعبده بالكرنك، معظمها من خالص النضار والفضة، والأحجار الغالية على يد مَهَرَة الصنَّاع، ومن أوصاف تلك الأواني وحدها يمكننا أن نعرف ما وصل إليه الفن المصري من الدقة والإتقان، وحسن الذوق في زمنه، ولا بد من أن الذهب كان يوجد بكثرة في مصر الآن، وبخاصة بعد أن أخضع بلاد النوبة التي كانت أكبر مصدر لهذا المعدن الكريم.

وكذلك نجد أن هذا الفرعون قد صنع سفينة الإله آمون التي كانت تجري في النيل بين الكرنك والأقصر، تحمل تمثالَ الإله في عيد رأس السنة من خشب الأرز الجديد. وفي وصف هذا الخشب بالجديد فوز جديد أحمس الأول؛ إذ إنه قد أحضره من الجبال الواقعة على شاطئ لبنان، ممَّا يبرهن على أن هذه الجهات قد أصبحت في قبضة يده، كما يدل على ذلك النص المصري.


ويأتي هنا دور المرأة المصرية في الجيش المصري، وما قدمته من تضحيات سجلها التاريخ، فتظهر لنا فى تلك الفترة سيدتين من أعظم نساء مصر، الأولى هي الملكة أحمس نفرتارى زوجة الملك أحمس الأول التى كانت تخوض مع زوجها المعارك جنباً الى جنب، وكانت تركب العربة الحربية بجواره فكانت بارعة فى الرمى بالرمح وقنص الأعداء بالسهام من وضع الحركة، ونالت هذه الملكة لقب أميرة الجيش، وحصلت على وسام الذبابة العسكري؛ والذي كان يعد أحد أعظم وأرقى درجات الاوسمة في مصر القديمة.

ومن المدهش أن هذه الملكة كانت تُقدَّس أكثرَ من زوجها، وقد بقي تقديسها على مر السنين أكثرَ من أي ملك آخَر، فقد وُجِدت آثارٌ تدل على ذلك حتى عهد الأسرة الواحدة والعشرين.

       والواقع أنها كانت تُعَدُّ في نظر المصريين إلهةً مثل آلهة طيبة العظام، وكان لها طائفة خاصة من الكهنة تقوم على خدمتها، كما كان لها محراب مقدَّس يُوضَع على سفينة مقدَّسة، يُحمَل على الأكتاف في الاحتفال بالأعياد العظيمة، وقد كان القوم يدعونها بصيغة القربان المعروفة، وتُلقَّب على الآثار بالابنة الملكية، والأخت الملكية، والزوجة الملكية العظيمة، والأم الملكية، والحاكمة العظيمة، وسيدة الأرضين؛ فهي بذلك تضارع الملكة أعح حتب أم أحمس الأول.

وسام الذبابة
والسيدة الثانية هي الملكة "اياح حتب" حيث استلمت لواء الجهاد من أمها الملكة العظيمة "تيتي- شري" قالت لها أمها "لا تبكي على أبيك أو زوجك ... أبكي على بلدك، قولي لابنك "لن تكون ولدي حتى تحرر بلدي .... كمت الحبيبة أي مصر". وتعتبر أول وزير للدفاع في العالم عملت على التخطيط الحربي لمهاجمة حصون الهكسوس، وزوجة الملك سقن رع، وأم الشهيد الملك كامس وأم البطل القائد والملك أحمس. 
       قالت إياح حتب لابنها أحمس "لن اسمع منك كلمة أمي، ولن تسمع مني كلمة ابني حتى نحرر كيميت أرضنا المقدسة"، وأعطت أحمس الأول خنجراً، وقالت له " هذا خنجر أبوك مات وهو يدافع به عن أرضه، ومن بعده أخوك كاموس مات والخنجر في يده. خذ هذا الخنجر وحرر به أرض الإله المقدسة، أو مت وهو في يدك ". 
      ارتدت الملكة اياح -حتب ملابس الفرسان، وذهبت تقاتل مع ابنها أحمس الأول الذي حارب الهكسوس، وطردهم واستأصلهم من التاريخ تماماً، وحرر مصر منهم، وحصلت هذه الملكة على وسام الذبابة نظراً لما قدمته للشعب المصرى من مثل يحتزى به كزوجة لشهيد وأم لشهيد؛ حيث أصرت على مواصلة الحرب ضد الهكسوس بدعم ابنها الملك أحمس، وقدر الشعب المصرى هذا الدور، وتغنى باسمها واستقبلها بالأغنية المشهورة التي نتغنى بها حتى الآن، وهي وحوى يا وحوى اياح، حتب أي مرحبا يا وجه القمر الراضي، حيث كان يعنى اسم اياح حتب أي القمر الراضي.

0 comments:

إرسال تعليق