الجمعة، 22 مارس 2019

الغباء ... ذكاء يسع الجميع


الغباء ... ذكاء يسع الجميع
الغباء ... ذكاء يسع الجميع


قد يتعرض الإنسان لموقف ما لا يستوعبه أو لا يفهمه على نحو صحيح، فيتهكم أحدهم قائلاً: ما هذا الذكاء!، وينتهي الموقف، ولكن يظل عالقاً في ذهنه كونه لم يكن مُوفقًا في تصرفه. فهل كل إخفاق دلالة على الغباء؟

ماذا لو تعرض الإنسان لموقف ما وفكر ولم يتوصل لقرار وشعر فعلاً أنه بحاجة للتفكير والمراجعة أكثر وأكثر، وانتابه إحساس بتوقف العقل. هل هذا غباء؟ إذا لم نشعر بهذا الغباء، فهذا يعني أننا لم نحاول فعلاً. فمجرد المحاولة وربط الأحداث والاستنتاجات هو ذكاء حتى إن لم نصل لحلول.
وقد يقوم إنسان بتصرف ما، ويستنكر ذلك على نفسه فيما بعد، ويتساءل كيف فعلتُ ذلك؟ الأفراد الأذكياء قد يبدون أغبياء عندما يحاولون الخروج عن الأفكار والمعتقدات المألوفة. حتى العديد من العلماء يمرون بلحظات من الغباء. وقد قرأنا أن عالماً كان مشهود له بالذكاء والإبداع، كان عنده كلب كبير، فتح هذا العالم فتحه في جدار بيته، مقاس هذا الكلب ليدخل ويخرج منها، وبعد أن مات الكلب، واشترى كلب صغير، فتح فتحه أخرى بجانب الفتحة الأولى بمقاس الكلب الصغير. بالطبع سيقفز للذهن؛ لماذا لم يترك الكلب الصغير يدخل ويخرج من نفس الفتحة الأولى! ما هذا الغباء؟!


الغباء هو ضعف القدرة على الفهم، والتعلم، والتصرف في الأمور. ويقابله الذكاء وهو النبوغ والقدرة على حل المشاكل وحسن التصرف. وسواء كان الغباء صفة مكتسبة أو فطرية - على خلاف بين العلماء - إلا إننا لا نستطيع إنكاره فهو موجود، وكثيراً ما نستشعره.

تكمن المشكلة في عدم إدراك أو اعتراف هؤلاء الأشخاص، فالشخص الغبي كثير النقاش والمجادلة والكلام، كذلك لا يتعلم من أخطائه، منعدم الخيال، ليس له رؤية للأمور. لذا فإن من دلالاته الثقة المفرطة بالنفس مع اللامبالاة، كذلك انعدام القدرة أو الرغبة في إيجاد حلول بديلة وغير نمطية. فالغباء إذن يكمن في انعدام الرغبة في المحاولة وعدم المثابرة على طرح بدائل للمشكلة وليس فقط اختيار الحلول النمطية باستمرار. يقول ألبرت أينشتاين: "الغباء هو فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب وانتظار نتائج مختلفة". ومن هنا نجد أن الغباء كمشكلة يمكن حلها بسهولة طالما تجنبنا المشكلات السابقة. فعدم التسرع والمثابرة والتدريب، وان اختلفت استجابة الأشخاص لها، سترفع من مستوي الذكاء لدى الشخص.
الصواب والخطأ - ما تراه صواب قد يراه البعض خطأ

لا يوجد إحصائيات تبين نسبة الأغبياء في العالم، فلا يسهل حصرهم، لأن تصرفات الشخص لا يمكن الحكم عليها، فما تراه تصرف سليم قد يراه شخص آخر خطأ. يري فريق من العلماء أن أصحاب الذكاء المنخفض، الذين لا يشكون إعاقة عقلية، يعانون من خلل موروث، ويمكن التخلص من الغباء عن طريق عزل الجين المسؤول عن ذلك. لكن هذا الرأي مشكوك في صحته لسببين؛ الأول، ثمة استنتاجات علمية تؤكد أن البشر يولدون ولديهم نسب متساوية من الذكاء. والأمر الآخر، أن الغباء عبارة عن سلوك في شخصية الإنسان نتيجة البيئة المحيطة به، وعليه يمكن التحكم فيه من خلال التحكم في معطياته، فالطفل مثلا إذا تربى في بيئة فقيرة تعليمياً أو تعرض للعنف الجسدي أو اللفظي، تتأثر إبداعاته وخيالاته ومعدل تطور ذكاءه. نفس الطفل يزداد ذكاؤه وقدراته العقلية إن وضع في بيئة مغايرة، والدليل على ذلك وجود شخصيات كثيرة كان يعرف عنها الغباء ولكن أصبحت من الأفذاذ، في فترات لاحقة من حياتها.


لذلك فان ارتفاع نسبة الذكاء أو انخفاضها ليس بالضرورة مقياس للغباء. فكما أن للذكاء درجات متفاوتة، نجد أن للغباء نسب متفاوتة أيضاً، فقد تُحسن التصرف في موقف وتُخطئ في موقف آخر. فاختبارات الذكاء تقيس 10% فقط من مهارات الشخص في الحياة، وبالطبع ليس ذلك كافياً للحكم على شخص بكونه ذكي أم غبي. ولم يأتي في القرآن ما يدل على مدح الذكي وذم الغبي، ولكن جاءت العديد من الآيات التي تأمر بإعمال العقل والتدبر والتفكير.

أشارت بعض الدراسات العلمية انه يمكن تنمية القدرات العقلية عن طريق نشاط الإنسان اليومي، فقط يجب دوماً المحاولة وإيجاد حلول مبتكرة، ربما يشعر الإنسان ساعتها بالضيق والغباء، وقد لا يصل لقرار، عندما يدرك تلك النقطة، فهذا هو الذكاء بعينه. فعليه أن يسخر قدرات عقله دائما وبكل طاقته، وهذا ما يعجز عنه الكثيرون، حتى أكثر الناس عبقرية لا يستخدمون قدراتهم العقلية الكاملة، فما بالك بعامة الناس ممن لا يستخدم إلا جزء ضئيل من إمكاناتهم العقلية.


لذا، فالغباء ألا تستشعر الغباء بين الحين والحين، والذكاء أن تشعر بأنك سلكت طرقا كثيرة ولم تصل لشيء، وتدرك أنك بحاجة لإعادة التفكير، وإعادة صياغة المشكلة لاستحداث الحلول البديلة. لذا كان الاهتمام بتدريب العقل، من الأمور المهمة والمفيدة لتحسين الذكاء. وهذا ما أظهرته دراسة عن وجود مداخلة جينية بين التعلم والذاكرة. حيث يولد الجميع بفرص جينية متساوية في الذكاء، لكن يختلف الأفراد فيما بينهم في القدرة على تنمية الذكاء.

وعلى الرغم مما يقال عن الغباء، فإن له فوائد صحية واجتماعية واقتصادية وأحيانا سياسية، ربما لا يتسع المقام لذكر أمثلة. لكن قمة الذكاء أن تعرف متى تكون غبياً، وتتجاهل بعض الأمور التي لا تستحق أن تقف عندها كثيراً. إذا افتقدت الغباء فقد تفقد الكثير من السعادة. يقول أحد الفلاسفة: ليس من فكرة ذكية تستطيع أن تحوز القبول العام إلا إذا كانت ممزوجة ببعض الغباء. وفي تراثنا العربي إشارة لأهمية الغباء في قول الشاعر:

وحلاوة الدنيا لجاهلها ..... ومرارة الدنيا لمن عَقِلا
المخ

وعلى المستوى التغذوي، هناك بعض الأطعمة التي ترفع من كفاءة عمل المخ مثل السكريات والبروتين سواء كان نباتي أو حيواني، الأحماض الدهنية الأساسية أوميجا 3 وأوميجا 6، منها السلمون والأفوكادو والنقل والسبانخ والبروكلي والشوكولاتة الداكنة. وزيت الزيتون. كما أن لممارسة التمارين الرياضية من العوامل الهامة لرفع كفاءة التفكير وزيادة الذكاء. لتنشيطها للدورة الدموية للجسم، بما فيها المخ.


ومن الطبيعي أن يعيش الإنسان فترات بين الغباء والذكاء، بل ومن سهولة بمكان التحول من الذكاء إلى الغباء أو العكس، وذلك لا ينتقص من قدر المرء على الإطلاق. فمع المحاولات المضنية للبقاء في دائرة الذكاء، إلا أن الإنسان لا محالة سيقع في الخطأ طوعاً أو كرهاً، وفي كلٍ فائدة. ويبقى سؤال، هل الغباء.. غباء؟

هناك 8 تعليقات:

  1. مقالة رائعة تضاف إلى إبداعاتك... بارك الله فيكم ونفع بكم

    ردحذف
  2. أحسنت دكتور لا أجد عبارات ثناء تكافئ الكلمات، حقيقة مقالة مبتكرة وأسلوب علمي متأدب، أمتعنا ونشتاق للمزيد.

    ردحذف
    الردود
    1. احسن الله اليكم ... مروركم شرف لنا

      حذف
  3. مقاله رائعة باسلوب شيق وممتع زادكم الله من فضله

    ردحذف
  4. سعدت بكم فانتم منار للعلم ذادكم الله علما وتوفيقا

    ردحذف