‏إظهار الرسائل ذات التسميات كائنات دقيقة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كائنات دقيقة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 4 ديسمبر 2021

ماذا يحدث إذا اختفت كل الفيروسات من عالمنا؟


ماذا يحدث إذا اختفت كل الفيروسات من عالمنا؟
ماذا يحدث إذا
 اختفت كل الفيروسات من عالمنا؟

قد يظن المرء أن الفيروسات شر مطلق، وجدت خصيصاً لتجلب المعاناة والشقاء للبشر. فقد حصدت على مدى آلاف السنين أرواحاً لا تُعد ولا تُحصى، ففي القرن العشرين وحده، أودت الإنفلونزا الإسبانية عام 1918 بحياة ما يتراوح بين 50 و100 مليون شخص. وقتل وباء الجدري ما يقدر بنحو 200 مليون شخص. وليست الجائحة الحالية إلا واحدة من مجموعة لا تنتهي من الجوائح الفيروسية الفتاكة.

وربما لو خٌيّرنا بين محو جميع الفيروسات من على وجه الأرض بعصا سحرية وبين الإبقاء عليها، لاختار معظم الناس التخلص منها دون تردد، وخاصةً الآن. لكننا نكون بذلك قد ارتكبنا خطأ قاتلاً.

لو اختفت الفيروسات فجأة من الوجود سينعم العالم بحياة رائعة لنحو يوم ونصف
ويقول توني غولدبرغ، عالم وبائيات بجامعة ويسكونسين ماديسون: "لو اختفت الفيروسات فجأة من الوجود سينعم العالم بحياة رائعة لنحو يوم ونصف، وبعدها سنموت جميعاً، إذ أن الفيروسات تؤدي أدواراً مهمة للعالم تفوق ضررها بمراحل".

إذ لا تسبب الغالبية العظمى من الفيروسات أمراضاً للبشر، ويسهم الكثير منها في دعم الأنظمة البيئية، ويحافظ البعض على صحة الكائنات الحية، من الفطريات والنباتات إلى الحشرات والبشر.

وتقول سوزانا لوبيز شاريتون، عالمة فيروسات بجامعة المكسيك الوطنية المستقلة: "نحن نعيش في توازن بيئي محكم"، وتمثل الفيروسات جزءاً من هذا التوازن. وترى شاريتون أنه "لو اختفت الفيروسات سيكون مصيرنا الفناء".

ولا يعرف معظم الناس شيئاً عن الدور الذي تلعبه الفيروسات لدعم الحياة على وجه الأرض، لأننا نركز دائما على الفيروسات التي تسبب الأمراض للبشر. لكن بعض الباحثين شرعوا مؤخراً في دراسة الفيروسات التي تعزز فرص بقاء البشرية وكوكب الأرض.

وكل ما يعرفه العلماء حتى الآن أنه  من دون الفيروسات لن يكون للحياة وكوكب الأرض وجود. ورغم أنه من المستحيل أن نقضي على جميع الفيروسات على وجه الأرض، إلا أننا لو استطعنا أن نتخيل العالم من دون فيروسات، قد نفهم أهمية الفيروسات لبقاء البشرية، وقد ندرك أننا لا نزال لا نعرف الكثير عن الفيروسات.

في البداية لا يعرف الباحثون حتى الآن عدد الفيروسات التي تعيش على كوكب الأرض، فرغم تصنيف آلاف الأنواع منها، إلا أن هناك الملايين التي قد لا نعرف عنها شيئا. وتعزو ماريلين روزينك، عالمة بيئة الفيروسات بجامعة بنسلفانيا، ذلك إلى التركيز على دراسة مسببات الأمراض دون غيرها.

ولا يعرف العلماء أيضاً نسبة الفيروسات المسببة للأمراض من إجمالي الفيروسات. ويقول كورتيس ساتل، عالم فيروسات بيئي بجامعة بريتيش كولومبيا، إن "جميع الفيروسات، باستثناء القليل منها، لا تسبب أمراضا للكائنات الحية التي نهتم بها".

الفيروسات ضرورية للنظام البيئي

وعلى سبيل المثال، تؤدي الفيروسات الملتهمة، التي تصيب البكتيريا، دوراً فائق الأهمية. ويقول غولدبرغ "إن هذه الفيروسات تلتهم البكتيريا، ولولاها لواجهنا مشاكل عديدة". إذ تنظم الخلايا الملتهمة المجتمعات البكتيرية في المحيط، وربما أيضاً في جميع الأنظمة البيئية على كوكب الأرض. وإذا اختفت هذه الفيروسات قد تتضاعف أعداد البكتيريا في بعض المجتمعات البكتيرية إلى حد الانفجار. وقد تتوقف جماعات حيوية عن النمو بسبب هيمنة جماعات أخرى.

وعلاوة على ذلك، تنتج الجراثيم نحو نصف الأكسجين على كوكب الأرض، بمساعدة الفيروسات، وتقتل الفيروسات نحو 20 في المئة من جميع الجراثيم ونحو 50 في المئة من البكتيريا في المحيطات يوميا، وبذلك تضمن أن العوالق المنتجة للأكسجين لديها ما يكفي من مغذيات لإنتاج كميات كبيرة من الأكسجين عبر التمثيل الضوئي، وبذلك تدعم الحياة على الأرض.

وتؤدي الفيروسات دورا مهما في عملية إعادة التدوير

ويقول ساتل: "لولا الموت لما كان هناك حياة، لأن الحياة تعتمد على إعادة تدوير المواد وتؤدي الفيروسات دورا مهما في عملية إعادة التدوير."

واكتشف الباحثون في الآفات الحشرية أن الفيروسات تسهم في تحديد أعداد الأنواع. فإذا زاد عدد أفراد أحد الأنواع زيادة مفرطة، يأتي الفيروس ويبيد أفراده. وتقول روزينك، إن هذه العملية هي جزء طبيعي من الأنظمة البيئية، وتحدث للكثير من الأنواع، بما فيها البشر، كما هو الحال عندما تظهر الجوائح.

ويقول ساتل: "عندما يزيد أفراد أحد الأنواع أو الجماعات الحيوية زيادة مفرطة، تتكاثر الفيروسات بوتيرة سريعة وتقلل عدد أفراد هذه الجماعة حتى تفسح مكانا لجميع الأنواع الأخرى لتنمو وتتكاثر". وإذا اختفت الفيروسات ستعيش وتزدهر بعض الأنواع القوية القادرة على المنافسة على حساب أنواع أخرى. ويقول ساتل معلقاً: "حينها سنفقد التنوع الحيوي على كوكب الأرض بوتيرة متسارعة، وستسود بضعة أنواع وتطرد ما عداها".

وتعتمد بعض الكائنات الحية على الفيروسات من أجل البقاء على قيد الحياة أو لتكتسب ميزة تنافسية أمام الأنواع الأخرى. ويعتقد بعض العلماء أن الفيروسات تلعب دوراً مهماً في مساعدة البقر وغيرها من الحيوانات المجترة في تحويل السليولوز من العشب إلى سكر، الذي يتحول في النهاية في جسمها عبر عملية التمثيل الغذائي إلى اللبن أو كتلة الجسم. ويرى باحثون أن الفيروسات تسهم في الحفاظ على تركيبة بكتيريا الأمعاء في أجسام البشر والحيوانات.

واكتشفت روزينك وزملاؤها أدلة تؤيد أهمية الفيروسات للنظام البيئي. إذ فحصوا فطراً يعيش على عشب معين في متنزة يلوستون الوطني بالولايات المتحدة، ولاحظوا أن فيروساً يصيب هذا الفطر ليجعل العشب أكثر قدرة على تحمل حراة التربة.

وتقول روزينك: "عندما يجتمع الفيروس والفطر والنبات، يستطيع النبات النمو في التربة الساخنة".

وفي دراسة أخرى، لاحظت روزينك أن فيروساً آخر، ينتقل عبر بذور فلفل الهلابينو المكسيكي، يحمي النباتات المصابة به من حشرة المن. وتقول روزينك إن حشرة المن تنجذب للنباتات غير المصابة بهذا الفيروس.

واكتشفت روزينك وزملاؤها أن النباتات والفطريات تنقل الفيروسات من جيل لآخر، مما يدل على أن هذه الفيروسات تساعد العائل بطريقة ما. وإذا اختفت هذه الفيروسات المفيدة، قد تصبح النباتات وغيرها من الكائنات الحية التي تصاب بها أكثر ضعفا أو ربما تموت.

بعض الفيروسات تحمي البشر
الفيروسات تحمي البشر

وقد تسهم الإصابة بالفيروسات غير المضرة في درء مخاطر بعض مسببات الأمراض بين البشر. وربطت دراسة بين فيروس التهاب الكبد C، المعروف باسمGBV-C ، وهو نوع من الفيروسات البشرية التي تنتقل عن طريق الدم ولا يسبب أمراض، وبين تأخير تطور أعراض الإيدز لدى المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. ولاحظ العلماء أن فيروس التهاب الكبد C، يقلل فرص الوفاة بمرض الإيبولا لدى المصابين بالمرض. وبالمثل، خلصت دراسة إلى أن إصابة الفئران بفيروس الهربس (الحلأ) قللت احتمالات إصابتها ببعض الأنواع من العدوى البكتيرية، مثل الطاعون البابوني والليستريا، لكن الباحثين لا يعرفون بعد ما إن كانت هذه النتائج تنطبق أيضا على البشر أم لا.

وكتب الباحثون أن البيانات التي توصلوا إليها تشير إلى أن العلاقة بين فيروس الهربس وبين العائل هي تكافلية أي يستفيد كل منهما من الآخر، إذ يمنح الفيروس العائل مزايا مناعية. وربما من دون الفيروسات قد تزيد مخاطر الموت من أمراض أخرى.

وأجريت أبحاث في الاتحاد السوفيتي تعود إلى العشرينيات من القرن الماضي للبحث في إمكانية تسخير الفيروسات الملتهمة لعلاج بعض العدوي البكتيرية. وقد زاد الاهتمام بهذا المجال مؤخراً، لا بسبب زيادة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية فحسب، بل أيضاً بسبب ما ينطوي عليه هذا العلاج من فرص للقضاء على أنواع معينة من البكتيريا بدلاً من تدمير جماعات بكتيرية بأكملها دون تمييز بين المفيد منها والضار. ويقول ساتل إن الفيروسات أسهمت في إنقاذ حياة بعض المرضى بعدما فشلت المضادات الحيوية في علاجهم.

ويستكشف العلماء إمكانية استخدام الفيروسات المحللة للخلايا السرطانية، التي تصيب وتتلف الخلايا السرطانية فقط دون غيرها، كعلاج أقل سمية وأكثر فعالية للسرطان. ويقول غولدبرغ، إن هذه الفيروسات التي تستخدم في العلاج تعمل كقذائف مجهرية موجهة تستهدف الخلايا غير المرغوبة. وسنحتاج هذه الفيروسات في الكثير من الأبحاث التي ستقودنا إلى الجيل الجديد من العلاجات.

وإذا تكاثرت الفيروسات في الخلايا الجنسية للعائل، أي البويضة والحيوان المنوي، فقد تنتقل الشفرة الوراثية للفيروس إلى الجيل اللاحق وتصبح جزءا من الحمض النووي. ويقول غولدبرغ، إن جميع الكائنات الحية التي تصاب بالفيروسات لديها الفرصة في اكتساب جينات الفيروسات واستخدامها لصالحها.

وتمثل بقايا الفيروسات نحو 8 في المئة من المادة الوراثية البشرية ويوجد نحو 100 ألف من بقايا جينات فيروسية المنشأ في المادة الوراثية للثدييات. ومعظم بقايا الفيروسات التي تدخل في الحمض النووي خاملة، لكن أبحاثاً اكتشفت مؤخراً أن بعضها يتطور إلى جينات ويؤدي أدواراً مفيدة.

واكتشف فريقان بحثيان في عام 2018 أن أحد الجينات فيروسية المنشأ يشفر بروتيناً يلعب دوراً محورياً في تكوين الذكريات طويلة الأمد عن طريق نقل المعلومات بين الخلايا وبعضها في الجهاز العصبي.

وأشار بعض الباحثين إلى أهمية الفيروسات في تطور المشيمة لدى الثدييات وتوقيت التعبير الجيني في الحمل البشري. إذ ربطت دراسة بين قدرة البشر على إنجاب أطفال أحياء وبين شفرة وراثية تعود لفيروسات رجعية قديمة أصابت أسلافنا منذ 130 مليون عام. وافترض الباحثون في نهاية الدراسة أنه لولا هذه السلسلة من جوائح الفيروسات الرجعية التي أصابت أسلافنا قديما لكان الحمل البشري مختلفاً تماما، إن لم يكن مستحيلاً.

كل هذه الطرق التي تساعد بها الفيروسات في دعم أشكال الحياة لم تكتشف إلا مؤخراً بعدما شرع العلماء في البحث في الفيروسات غير المسببة للأمراض. وكلما زادت معرفتنا بالفيروسات، سواء المفيدة أو المسببة للأمراض، زادت قدرتنا على تسخير بعض الفيروسات لأهداف نافعة وتطوير سبل للوقاية من أخرى قبل أن تتحول إلى جوائح.

والأهم من ذلك أن التعرف على التنوع الفيروسي سيساعدنا في كشف أسرار لم نكن نعرفها من قبل عن آليات عمل أجسامنا وأنظمتنا البيئية وحتى كوكبنا.

يمكنك قراءة الموضع الأصلي على BBC Future 

الجمعة، 21 ديسمبر 2018

ميكروبات ممرضة لكن مدللة - حكمة بالغة

ميكروبات ممرضة لكن مدللة - حكمة بالغة

ميكروبات ممرضة لكن مدللة - حكمة بالغة

أ‌.  د. وسام الدين إسماعيل علي صابر


أستاذ الكائنات الحية الدقيقة

ترتعد الفرائص، وتقشعر الأبدان، وتنتبه الأذهان، لدي سماعنا اسم الميكروبات أو الجراثيم أو الفيروسات، تلك المخلوقات التي تتسبب في أمراضاً معدية وخطيرة للإنسان وغيره من الأحياء. فبالرغم من أن أغلب الميكروبات ليست ممرضة، إلا أن هذه النسبة القليلة الممرضة هي التي تلفت الانتباه حيثما تذكر الميكروبات، وتشوه سمعة النافع منها.
Mycobacterium tuberculosis
        تلك الكائنات المتناهية الصغر، التي ذاع صيتها منذ اكتشاف عدسات التكبير، وعلى الرغم من ذلك فهي أشد الكائنات فتكا بغيرها من الخلائق. فلا يكاد يوجد على الأرض مكان لا تتواجد فيه، ولا يكاد يوجد كائن حي لا يصاب بالميكروبات، حتى الميكروبات نفسها تصاب بأمراض ميكروبية من بني جنسها من الميكروبات الأخرى. وللحق فإن الأمراض المتسببة عن الكائنات الحية الدقيقة هي أمراض خطيرة، تستحق الاهتمام وتحتاج عنايه. فمرض السل أو الدرن، الذي تسببه البكتيريا Mycobacterium tuberculosis، يحصد مليونا شخص سنويا، وكذلك الحال في باقي الأمراض الميكروبية، كتلك التي تحدث عن طريق الأغذية التي تسببها أنواع مختلفة من الميكروبات مثل السالمونيلا Salmonella والشيجيلا Shigella.
بكتيريا salmonella typhimurium  
بكتيريا  Shigella
         لكن بنظرة عن قرب على طبيعة هذه الميكروبات الشرسة - كما نتصورها - نجد صورة مغايرة ومختلفة تماما، وربما تثير التعاطف. فربما لم يتبادر للذهن يوما أن تلك الكائنات الدقيقة الممرضة التي تسبب العدوى الميكروبية، هي كائنات مدللة تحتاج لرفاهية عالية لكي تنمو وتتكاثر وتجد مكانها على كوكبنا، وأن هذا الدلال من لُطف الله بنا نحن البشر. بل هي كائنات معاقة تحتاج من يأخذ بيدها ويساعدها على إحداث المرض! الأمر الذي يتطلب وقفه مع تلك الكائنات الشرسة، والخطيرة بحق، لنتبين لُطلف الله بنا، وكيف حجَّم وأضعف ضراوتها، وضمن لهم الحفظ من شرها، حال اتباعنا لأمر الله فينا، فحكمة الله دوماً تقتضي اللطف بعباده. "ٱللَّهُ لَطِيفٌۢ بِعِبَادِهِۦ"  (الشورى: من الآية 19)


بدايةً، وبنظرة فاحصة على الميكروبات عموماً واحتياجاتها البيئية والغذائية المناسبة للنمو، نجد أنها تتنوع بشكل كبير، ويمكنها العيش والنمو في ظروف غاية في القسوة. فلو أخذنا مثلاً على درجة الحرارة المناسبة للنمو؛ يمكن تصنيف الميكروبات عموماً إلى؛ المُحبة للبرودة وتنمو في المدى الحراري من تحت الصفر وحتى 20 درجة مئوية. ومجموعة أخرى تنمو في درجات الحرارة المعتدلة، من 20 إلى 45 درجة مئوية. والميكروبات المُحبة للحرارة العالية؛ تنمو في مدى حراري من 50 حتى 70 درجة مئوية. وهناك مجموعة تنمو في درجات حرارة قصوى، أعلى من 80 درجة مئوية. وهي أكثر مما يمكن أن يتحملها أي كائن حي. ومن أمثلتها تلك المتواجدة في عيون الماء الساخنة والفتحات الحرارية الأرضية كالبراكين. فمثلاً يمكن للبكتيريا من جنس Pyrodictium العيش في درجات حرارة أعلى من 100 درجة مئوية. وتتواجد في الجدران المسامية للفتحات في أعماق البحار، حيث تصل درجة الحرارة الداخلية إلى 400 درجة مئوية، بينما تكون البيئة البحرية الخارجية عادةً 3 درجات مئوية، ومع ذلك فهي قادرة على التكيف مع هذا النوع من الموائل الساخنة والباردة في آن واحد. ولا تقتلها الحرارة في الأعماق الكبيرة في البحر، حيث لا يغلي الماء بسبب ارتفاع الضغط. كما أن العديد منهم قادر على تحمل الظروف المناخية البيئية الأخرى، مثل الحموضة العالية ومستويات الإشعاع العالية. كما يمكنها التكيف والتواجد في مدى واسع من التنوع الغذائي بداية من الترمم وحتى التطفل على الكائنات الحية.

وعندما نخص الكائنات الممرضة بالحديث، فلا تنمو في هذا المدى الحراري الواسع مثل شقيقاتها، ولا تنمو مترممة على الجيف. ولكنها تحتاج معايير خاصة وشروط صارمة ومحددة لحياتها. ربما لم يدر بخلدك أن أغلب البكتيريا الممرضة تكون ممرضة فقط في حالات معينة، ويتوقف ذلك لحد كبير على طريقة تفاعلها مع العائل. وتتواجد الكثير من الميكروبات على أو بداخل الكائن الحي، ويمثل وجودها بشكل متزن دلالة قوية على صحة الكائنات الحية.

فعلى سبيل المثال؛ العديد من البكتيريا العقدية أو العنقودية أو المعوية تتواجد وتشكل جزء من الميكروبات الموجودة بشكل طبيعي في جسم أي الإنسان، وعادةً ما توجد في الأنف أو الجلد أو القناة الهضمية. ومن الممكن أن تسبب عدوى للجلد أو الرئة أو التهاب السحايا أو الجهاز الهضمي. إلا أنها انتهازية فقط، ولا يمكنها إحداث المرض من تلقاء نفسها، فهي دوماً تنتظر لحظة الهجوم المناسبة، كأن يحدث هبوط في المناعة، أو جرح يسمح للبكتيريا بالدخول لتيار الدم مباشرة. وهذا أيضاً من لُطف الله بنا، والا لكانت الأجساد مرتعاً للميكروبات من كل حدب وصوب.

فالمتأمل في الظروف المعيشية التي تتطلبها تلك الكائنات يجد الممرضات تعيش في 37 درجة مئوية غالباً، وهي درجة حرارة الجسم، فهذه الدرجة هي المناسبة لتحدث المرض، وبالطبع تتأثر سلباً وبشدة كلما بعدت عن درجة الحرارة المثلى لنموها. كما أنها تتطلب أنسجة حية، مثل الفيروسات، لكي تحافظ على قدرتها في إحداث المرض. حتى أنها تحيا أسيرة داخل انسجة محددة لا يمكنها التحول من مكانها، فقد تفتك بها حموضة المعدة القاتلة إذا انتقلت هذه الكائنات من مكانها إلى داخل المعدة، أن لم تكن مهيئة لذلك. فهي دائما تحت الإقامة الجبرية. وعندما تتعرض لظروف معيشية مختلفة عن تلك المناسبة لها سواء داخل أنسجتها، أو حال انتقالها لمكان آخر داخل الجسم غير الذي تأقلمت على إمراضه، تصبح معاقة، وبالكاد يمكنها أن تحافظ على حياتها.

حتى إن أنسجة العائل المريضة لا تعد بيئة مناسبة لنموها، فلا تصيب أنسجة مريضة بالفعل، فهي شديدة الدلال والأنفة وبعضها شديد التخصص. لذا لا يمكن للغالبية منها أن يحدث أمراضاً، حتى وان كان ملاصقا للإنسان إلا في حالات محدودة. وهذا من حكمة الله البالغة. "حِكۡمَةُۢ بَٰلِغَةٞۖ فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ" (الـقمـر: 5)


وعليه فإن التخلص من هذه الميكروبات الممرضة في غاية السهولة واليسر. وتعد بسترة اللبن من الأمثلة التي توضح ذلك، حيث تستخدم عوضاً عن المعاملات الحرارية الشائعة التي تتلف بعض مكونات اللبن الهامة، وخاصة الفيتامينات، لذا تتم البسترة للتخلص من أكبر قدر من البكتريا، وتحفظ أكبر قدر من الفيتامينات في الوقت نفسه. وهناك طرق عدة للبسترة، تعتمد أغلبها على رفع درجة الحرارة مع مراعاة الزمن، يلي ذلك التبريد السريع والمباشر. إلا أن أشهرها يتم عند درجة حرارة 63 درجة مئوية لمدة 30 دقيقة، أو 72 درجة مئوية لمدة 15 ثانية. حيث تقضي على أكبر قدر من الكائنات الحية الدقيقة، وتفقدها فاعليتها بلا رجعة، ويكون من غير المحتمل أن تسبب أمراضاً مرة أخرى. ولا تعد هذه الحرارة في العرف الميكروبي قاتلة للغالبية العظمى من الميكروبات، حيث أن العديد من الكائنات الدقيقة تتحمل بل وتنمو على أكثر من هذه الدرجة، كما سبق وأشرنا.

نعود للبسترة، حيث تؤدي تلك المعاملة إلى القضاء على جميع المسببات الممرضة، في حين تظل نسبة ضئيلة من غير الممرضات على قيد الحياة بعد عملية البسترة. ولعل هذا من لُطف الله بنا، ذلك أن المسببات المرضية لا تتحمل هذه الحرارة المتواضعة - في عُرف التعقيم – فتموت سريعاً. فهي ميكروبات مدللة، يلازمها الوهن كجزء أصيل من طبعها، ولا تتحمل تلك الظروف القاسية. في حين يمكن للعديد من الميكروبات غير ممرضة أن تظل على قيد الحياة حيث تتحمل هذه الدرجة من الحرارة.

وبالنظر لتلك الأمثلة وغيرها كثير مثل الكوليرا والتيفويد، فجميعها تتطلب معيشة من نوع خاص وبيئات شديدة التعقيد معملياً لدجة أن المتخصصين قد يجدوا صعوبة في تنميتها معملياً، إن لم تتبع الاحتياطات والأساليب المعملية التي تناسب كل ميكروب على حدة. ومع هذا فإن بعضها لا ينمو تحت ظروف المعمل على البيئات الاصطناعية مطلقاً مثل الفيروسات. الغريب أن بيئة التنمية لهذه الميكروبات تحت ظروف المعمل قد تتطلب إضافة جزء من الكائن الحي ذاته، مثل الدم أو خلايا حية، لكي يمكن إنماء هذه الميكروبات معملياً. فهي كائنات متخصصة لحد كبير، واحتياجاتها الغذائية معقدة. والغريب أن تحت هذه الظروف المعملية، غالباً ما تفقد قدرتها على إحداث المرض لذلك، لا تجدها تنتشر بسهولة. وهذا من لُطف الله بنا.
بكتيريا تنمو على وسط غذائي فيه دم
دعنا الآن ننظر للجانب الآخر من الصورة، تخيل أن العكس هو الصحيح وأن الميكروبات الممرضة هي التي تتحمل الظروف القاسية وتقاوم عوامل الفناء، فماذا سيكون الحال؟ تخيل أنها يمكنها بسهولة النمو في مدى حراري واسع وعلى درجات متفاوتة من الحموضة والضغط. فماذا سيكون الحال؟

ويبقى السؤال ... كيف لهذه المخلوقات الضعيفة في تكوينها أن تُسبب كل هذا الضرر، وأن تستحوذ على انتباه العالم بين الفينة والأخرى؟ وتثبت للإنسان دوماً أنه أضعف منها. ربما لن يسعفنا المقام هنا لذكر الأسباب، لكن بالجملة، غالباً ما تجد مخالفة الإنسان الصريحة للنواميس الفطرية، هي السبب وراء تمرد هذه الكائنات الضعيفة على الإنسان والنكاية به. وتزداد ضراوتها وشدة فتكها، كلما كانت مخالفة الإنسان للفطرة مخالفة جسيمة وصريحة، فالمعاناة من فيروس الإيدز، مثلاً، بالرغم من ضعفه، لم تنتهي بعد.

الثلاثاء، 11 ديسمبر 2018

مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية


مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية


بكالوريوس الصيدلة

"سيأتي يوم يمكن فيه لأي شخص أن يشترى البنسلين من المحال، وسيشرع غير المختصيين في علاج أنفسهم بجرعات غير كافية لقتل البكتيريا، ما سيمنحها القدرة لتوليد مناعة ضد العقار“ هذا ما تنبأ به ألكسندر فلمنج - مكتشف البنسلين- في كلمته اثناء تلقيه جائزة نوبل في الطب سنة 1945 م.

هل تعلم قارئي العزيز ان هناك ملايين من البكتيريا التي تحيط بنا في كل مكان ولست مبالغاً حين أقول اننا نكاد نسبح في بحر من البكتيريا، حتى داخل اجسادنا، فيقدر العلماء احتواء جسم الانسان على خلايا بكتيريا تقدر بعشرة أضعاف عدد خلايا جسده!

وعلى الرغم من أن البكتيريا تتكون من خلية وحيدة فان كتلتها البيولوجية أكبر من جميع الحيوانات مجتمعة (الكتلة البيولوجية –BIOMASS –هي كتلة الكائنات الحية التي تعيش في منطقة معينة او نظام بيئي بزمن معين).
ولكن بالرغم من ذلك فان الكثير منها غير ضار، بل على العكس مفيد وهام ولها دور رئيسيي في عملية الهضم (يوجد اكثر من 500 سلالة بكتيرية داخل الجهاز الهضمي للإنسان خاصة الامعاء) تساعد على هضم الطعام، انتاج مضادات الاكسدة، تنتج مواد تشبه المضادات الحيوية، وتسهل امتصاص المعادن، تقوى جهاز المناعة، تنتج فيتامين (K) وجزء من فيتامين (B12 ) . وعند نقص أعدادها يصاب الانسان بالإعراض المعوية (انتفاخ – سوء هضم – اسهال – سوء التغذية ......الخ).

وهناك أنواع ضارة من البكتيريا تتراوح الاصابة بها من ازعاج طفيف الى وباء فتاك يحصد أرواح البشر. وهنا يبرز الدور العظيم للمضادات الحيوية، فكان اكتشافها هبه من الله للبشرية لإنقاذ أرواح الآلاف من البشر (ظهر جلياً في الحرب العالمية). ولقد صاغ مصطلح المضادات الحيوية العالم الأمريكي “واكسمان " 1942 م ونال جائزة نوبل في الطب منفرداً سنة 1952م.

       إن تطور المضادات الحيوية خلال القرن العشرين جعل مقاومة الأمراض (البكتيرية) أمرا سهلاً ....... وحالياً بات كثير من المضادات الحيوية غير فعال (أو أقل فعالية) ولا تكمن المشكلة في المضادات الحيوية ..... بل في البكتيريا (التي وُهبت أساليب وطرق لتقاوم ما يفتك بها).

ما المقصود بمصطلح "مقاومة البكتيريا " Antibiotic  resistance

بأبسط تعريفاتها: هي ميكانيكية تتبعها البكتيريا لحماية نفسها من خطر المضاد الحيوي.

وتصبح البكتيريا مقاومة عندما يحدث تغير جيني أو ما يعرف بالطفرات الجينية (Mutation genes) كنتيجة مباشرة لكثرة تعرضها للمضادات الحيوية (الاستخدام المفرط وغير العلمي) يحدث ذلك في البيئة الغنية بالمضادات الحيوية (المستشفيات) كما أن الاستخدام المفرط من قبل المرضى من تلقاء أنفسهم يمثل نسبة لا يستهان بها.

فالمهاجمة المستمرة للبكتيريا بالمضاد الحيوي ليس بالضرورة مفيدا بل على العكس أحياناً يكون التروي أكثر فائدة. كما انه يمكن للبكتيريا تطوير مقاومتها عن طريق الاتصال بأنواع أخرى من البكتيريا عن طريق منحها (Mutation gene) بعد تدميرها أو عن طريق ما يعرف بالاقتران (Conjugation ) حيث تتصل الخلايا بشعيرات خاصة لتتشارك تلك الجينات مما ينتج عنه انتاج سلالات من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

وهنا تبرز أهمية تقنين استخدام المضادات الحيوية، كما أن تطبيق ما يعرف بنظام مكافحة العدوى (INFECTION CONTROL PROGRAM) و آلية صرف المضادات الحيوية (ANTIBIOTIC POLICY )  في المؤسسات الصحية له أهمية قصوى.

كم لدينا من الوقت قبل ان تفترسنا تلك البكتيريا؟؟  فعلياً ... لقد بدأ العد التنازلي لأفول العصر الذهبي للمضادات الحيوية. وظهر ما يعرف  بــــ (SUPERBUGS ) وهى بكتيريا مقاومة للعديد من المضادات الحيوية .
سلالة بكتيريا (Staphylococcus aureus) المسببة للعديد من الأمراض بداية من الالتهابات الجلدية (Dermatitis) والالتهاب الرئوي pneumonia وحتى تعفن الدم (SEPSIS).. اصبحت مقاومة لمجموعة (B-LACTAN) التي ينتمي اليها البنسلين والأوكساسيلين، وذلك بفضل
Staphylococcus aureus
الجين الذي حل محل البروتين التى تستهدفه هذه المجموعة من المضادات الحيوية في جدار الخلية البكتيرية، وبذلك تحصن البكتريا جدارها الخلوي ضد الاختراق والتدمير.

كما أن بكتيريا (Escherichia coli) التي تسبب العديد من أمراض
عدوى المجاري البولية
Escherichia coli
والتهاب السحايا عند الأطفال أصبحت مقاومة لمجموعة المضادات الحيوية المعروفة بــ (
quinolones).

وأخيرا ماذا تعنى مقاومة المضادات الحيوية بالنسبة اليك؟

تعنى أن استخدامك للمضادات الحيوية عند عدم احتياجك اليها فان ذلك يعنى عدم فاعليتها عند احتياجك الفعلي اليها.