الاثنين، 4 مارس 2019

ما علاقة السُّكّرُ بأمراض القلب؟


ما علاقة السُّكّرُ بأمراض القلب؟

ما علاقة السُّكّرُ بأمراض القلب؟



أستاذ علوم الأغذية

لو علموا حقيقته، وشدة ضرره، ما سَطّرُوه بشعرهم، وما تغنوا بحلاوته، وما تهادوا به؛ فيصف خالد شوملي الحب بين الناس بالملح والسُكَّرُ فيقول:" اَلْحُبُّ... مِلْحُ الْأَرْضِ ... سُكَّرُهَا". وفي أوربا، يُوضع مكعب سكر في باقة زهور العروس لجلب السعادة.  ويَهدي العَريسُ المغربي قالبين سكر (مخروطية) للتي يتقدم لخطبتها، وقبولها يُعد موافقة، كما تُقدم للاعتذار والتهنئة والتعازي. وفي قري محافظة قنا في مصر تُوضع قدم العروس ليلة الحناء في برسيم عليه حبات السكر كي تُسعد بحياتها، ويقال للمُجهَد "قَوِّ قلبك بقطعة سكرفهل حقًا السكر يقوي القلب؟ أم يُضعفه ويُوهن ما يتصل به من أوعية دموية؟

تبدأ القصة في سبعينات القرن الماضي عندما أعلن مجموعة باحثين أن الكربوهيدرات المُكررة "خاصة السكر" والإقلال من الألياف الغذائية عاملان رئيسان لحدوث اعتلال القلب التاجي Coronary Heart Disease (CHD). لم تحظ فرضيتهم باهتمام المجتمع العلمي، بل اتهم البعض الدهون المشبعة (SFA) في إحداث أمراض القلب.  وسيطرت هذه النظرية، بل وسادت لأربعة عقود منذ 1974 الى 2014. حتى أتي النفي في التسعينات مُؤَكدًا بنتائج بحثية أن اتهام الدهون المُشبعة (SFA) في إحداث امراض القلب باطلًا ومبالغًا فيه.  يعكس السهم اتجاهه ليشير إلى تورط السكر المُضاف والكربوهيدرات في ذلك...


لم يتحصل هؤلاء الباحثين على الأدلة الدامغة التي تدعم فرضيتهم، وكل ما بلغوه مقارنات دولية من النظام الغذائي ومعدل حدوث CHD فليس لديهم آلية راسخة يمكن للسكر من خلالها إحداث أمراض القلب التاجية؛ فالسكر له تأثير ضعيف فقط على مستوي الكوليسترول الكلي في الدم، فتجاهلتها الأوساط العلمية خاصة الطبية. لكن هناك عامل آخر برغم صِغَرِه، إلا أنه قاد إلى فضيحة علمية ظهرت في العام 2016، ففي الستينات والسبعينات دفعت صناعة السكر الامريكية الباحثين لنشر أبحاث تؤكد دور الدهون المُشبعة في حدوث أمراض القلب التاجية، والتقليل جدًا من دور السكر، لكن بات اليقين جلياً بتورط السكر والدقيق الأبيض الفاخر في CHD.

وقد يسأل البعض ما علاقة السكر بالألياف الغذائية؟ عند استخلاص الدقيق الفاخر من القمح فيفقد كل الألياف ومعظم المغذيات الهامة، وهو ما يحدث تماماً عن استخلاص السكر. وهناك فرضية سابقة تُقر أن غياب الألياف الغذائية قد يُسبب سرطان القولون وأمراض القلب التاجية.

تورط الدهون المُشبعة في CHD:

قام فيرمنجهام بدراسة طويلة الأمد أثبتت أن الكوليسترول الكلي أحد عوامل الخطر لأمراض القلب وأن زيادة تناول الدهون المُشبعة والكوليسترول يرفع مستواه في الدم. وأن الأحماض الدهنية غير المُشبعة تقي من أمراض القلب التاجية.

وبعد عقدين تُقدم مجموعة دراسات ثروة معلوماتية مفادها أن ارتباط الدهون المشبعة بخطر CHD ضعيف (ثقة النتائج 95%). بل إن العديد من المكونات الأخرى للنظام الغذائي لديها ارتباطات أقوى بكثير مع مخاطر CHD.

>
إن العلاقة بين الدهون المُشبعة وخطر أمراض الشرايين التاجية أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد.  ففي أواخر السبعينات ظهرت أدلة على أن الكولسترول منخفض الكثافة يزيد من خطر أمراض الشرايين التاجية عكس الكولسترول عالي الكثافة الذي يحمي منها. وزيادة الدهون غير المشبعة والكوليسترول عالي الكثافة، وتناول 5 ٪ أقل من الدهون المشبعة مع تناول 5 ٪ زيادة من حمض اللينوليك يُقلل خطر أمراض الشرايين التاجية.

لكن هناك من يؤكد أن استبدال الدهون المُشبعة بغير المُشبعة لا يقلل الخطر وإن العديد من التجارب العشوائية قد أُسيء تفسير نتائجها بسبب إدراج تجارب غير مُسيطر عليها بشكل كافٍ.

     ما يتعلق بالألياف الغذائية:

يحتوي القولون على كمٍ هائل من الميكروبات تُسمي "ميكروبيوم". وإن اختلال توازنها يرتبط بعدة أمراض منها، أمراض القلب والأوعية الدموية. وللألياف الغذائية دور حيوي في توازن الميكروبيوم، فقلتها أو غيابها قد يزيد فرص أمراض القلب، وثبت أن   تناول السكر مرتبط مع خطر أمراض الشرايين التاجية.  بنسبة تزيد عن 22%.

السكر وأمراض القلب التاجية:

أي طعام أو شراب كربوهيدراتي قابل للهضم، مثل السكر، النشا، الدقيق الفاخر،.. الخ يؤدي إلى زيادة مستوى السكر في الدم.  فيُطلق البنكرياس الإنسولين في الدم.  وتبدأ الأنسجة الحساسة له (العضلات، والدهون) بامتصاص الجلوكوزفيقل مستواه في الدم عندها تُخفض خلايا بيتا  (β)إنتاج الإنسولين ويستقر مستوي الجلوكوز.

 المستويات الطبيعية للإنسولين لدي بعض الأشخاص ليس لها نفس التأثير في السيطرة على مستويات السكر في الدم كما سبق وتُسمى هذه الحالة "مقاومة الإنسولين". يبدأ البنكرياس في ضخ المزيد من الإنسولين (مرحلة التعويض) فتزيد مستوياته بالدم، إذا فشلت عملية التعويض فيزيد مستوي السكر جدًا، ويزيد أيضا مستوي الإنسولين في الدم مسببةً المزيد من الاضرار البيولوجية في جميع أنحاء الجسم.


إذن تبدأ المشكلة بمقاومة الإنسولين   Insulin resistanceوتنتهي بزيادة المُفرز منه Hyperinsulinemia   في الدم، فما أضرارهما:


الافراط في تناول السكر المكرر   المضاف (السكروز أو شراب الذرة عالي الفركتوز) حتى عند مقارنته بالنشا، فإنه قد يحدث حالة من مقاومة الإنسولين وبالتالي يرفع مستويات الإنسولين في الدم،
br />
والإنسولين يزيد المقاومة للانسولين، ففي كل مرة تتعرض فيها خلية لمستوى أعلى من الإنسولين، يقل إنتاج (مستقبلات الجلوكوز) على غشاء الخلية، وتنهار عملية تنظيم دخول الجلوكوز لداخل الخلية مما يزيد الحاجة للأنسولين فيزيد افرازه ومستواه في الدم.

مقاومة الإنسولين في الخلايا العضلية والدهنية يقلل من امتصاص الجلوكوز عموماً، لكن مقاومة الإنسولين في الخلايا الدهنية تقلل من التأثيرات الطبيعية للإنسولين على الدهون فيقل امتصاص الدهون ويزيد التحليل المائي للدهون الثلاثية المخزنة. ويزيد مخزون الخلايا من الدهن، وترتفع الأحماض الدهنية الحرة في بلازما الدم. إن التركيزات المرتفعة من الأحماض الدهنية في الدم والامتصاص المنخفض للجلوكوز في العضلات والإنتاج المرتفع للجلوكوز في الكبد، جميعها تسهم في رفع مستويات السكر في الدم.


عموماً، المستويات المتزايدة من الإنسولين تحدث في حالات السِّمنة ومرض الشريان التاجي وارتفاع ضغط الدم وأمراض الأوعية الدموية الطرفية وزيادة جلسيريدات الدم.  وبالتالي، فإن أي عامل غذائي يعزز مقاومة الإنسولين، ويزيد مستوي الإنسولين بالدم؛ من المرجح أن يزيد من خطر احتشاء القلب والـCHD.

الإنسولين الإضافي في مجرى الدم يؤثر على الشرايين؛ حيث يجعل جدرانها تنمو بشكل أسرع من المعتاد مسبباً توتراً فيها مما يزيد الضغط على القلب ويضر به مع مرور الوقت، مما يزيد فرص حدوث أمراض القلب والنوبات القلبية والسكتات الدماغية، وتشير الأبحاث إلى أن تناول كميات أقل من السكر يمكن أن يساعد على خفض ضغط الدم، وهو عامل خطر رئيسي لأمراض القلب.

الأشخاص الذين يمثل السكر المضاف حوالي 25% من سعراتهم الحرارية أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب مرتين مقارنة بمن يتناولون سكر مضاف أقل من 10% من سعراتهم الحرارية. ويجب ألا يتعدى الطاقة الناتجة من السكر عن 5% من مجموع طاقة الجسم.


وأخيراً تأكدت الأدلة التي تورط السكر والكربوهيدرات في تصلب الشرايين، وأن هذا المخطط يربط تصلب الشرايين مع مرض السكري، والسمنة، وفرط دهون الدم، وعدم ممارسة الرياضة البدنية، وارتفاع ضغط الدم، فوجد أن الإنسولين يزيد من تكوين الشحوم ويحفز تكاثر الخلايا العضلية الملساء.


 
هناك حزمة من المخاطر التي تنتج عن مقاومة الإنسولين والافراط في إفرازه وهي:


·       تدمير البنكرياس مع مرور الوقت، نتيجة الافراط في افراز الإنسولين.


·       زيادة الوزن خاصة في منطقة البطن وصعوبة فقده.


·       زيادة ضغط الدم وما يترتب عليه من مشاكل صحية.


·        زيادة مستوي الدهون الثلاثية وتصلب الشرايين، ومرض القلب التاجي.


·        زيادة حمض اليوريك، وقصور الغدة الدرقية.



ما كان السكر يوماً مصدر قوة للقلب، بل يزيد من افراز الإنسولين مما يصيب الجسم بمقاومتة، وتُفقد السيطرة على مستوي السكر في الدم، فيضطر البنكرياس لإفراز المزيد منه أملاً في استقرار مستوي السكر، لكن هيهات، فلا السكر ينخفض ولا الإنسولين يظل في معدله بل يتجاوز أضعاف مستواه، مما يوهن القلب ويصلب الشرايين.

 تناول مزيداً من الخضروات، ثم توسط في الفاكهة، وقلل من الخبز الفاخر ما استطعت، واِهْرَب وفِرْ من السكر المكرر قدر جهدك.

وأقرأ أيضاً

السكر... واهب البسمة عدو المناعة

0 comments:

إرسال تعليق