لماذا العلم؟
هل العلم ضروري في حياتنا؟ هل العلم طريق للرقي في الدنيا والآخرة؟ هل
العلم استثمار للأفراد والمؤسسات والدول؟ هل من يسلك طريق العلم عليه التوقف بعد
فترة أم عليه الاستمرار؟ هذه محاولة للإجابة على هذه التساؤلات خلال السطور
التالية.
العلم أساس خلافة
الإنسان على الأرض: العلم سبب تفضيل،
فضل الله آدم وذريته على الملائكة والجن، والدليل على ذلك قول الله عز وجل في سورة
البقرة "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى
الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ
صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ
إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم
بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل
لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا
تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33). العلم أساس لوجود البشر على الأرض،
العلم أساس عمارة الأرض.
اقرأ أول آيات
القرآن: أول ما نزل من القرآن أمر إلهي بالقراءة والتعلم في
سورة العلق؛ "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ
الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ
بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)" (العلق).
الإسلام دين العلم، وطلب العلم أمر إلهي.
العلم والإيمان بالله: من يسلك طريق العلم يزداد إيمان بالله عز وجل، وكل ما في الكون يدل على
وجود الله وقدرته وحكمته، قال الله عز وجل " إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَاءُ" (من الآية 28: فاطر)، وقال سبحانه وتعالى "ٱنظُرۡ كَیۡفَ
نُصَرِّفُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّهُمۡ یَفۡقَهُونَ" (من الآية ٦٥: الأنعام).
العلم طريق إلى
الجنة: من يسلك طريق العلم يبتغي مرضاة الله فإنه
يسير في طريق يرفع درجته في الجنة حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من
سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل اللهُ له طريقًا إلى الجنةِ، وإنَّ الملائكةَ
لَتضعُ أجنحتَها لطالبِ العلمِ رضًا بما يصنعُ، وإنَّ العالمَ لَيستغفرُ له مَن في
السماواتِ ومن في الأرضِ، حتى الحيتانُ في الماءِ، وفضلُ العالمِ على العابدِ
كفضلِ القمرِ على سائرِ الكواكبِ" (صحيح الترغيب – الألباني).
العلم عمل نجني به
الحسنات بعد الممات: حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا مات العبدُ انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ
يُنتفَعُ به أو ولدٍ صالحٍ يدعو له" (متفق عليه)
وفي ذلك أنشد الامام الحافظ الذهبي الدمشقي في نهاية كتابه الكبائر يقول:
كتبت وقد ايقنت يوم كتابتي بأن يدي تفنى ويبقى
كتابها
فإن عملت خيرا ستجزى بمثله وإن عملت شرا عليَ حسابها
وكذلك يقول الشاعر:
ما من كاتب إلا ويفنى …. وتبقى ما كتب يداه
فلا تكتب إلا ما ….. يسرك يوم القيامة أن تراه
العلم يرفع شأن صاحبه
في الدنيا والآخرة: "يَرْفَعِ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" (من الآية 11: المجادلة)، "قُلْ
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا
يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ" (من الآية 9: الزمر). بل يجب علينا أن نزيد
من العلم الذي نحصله وندعو الله أن يزيدنا علماً "وَقُل رَّبِّ زِدْنِي
عِلْمًا" (من الآية 114: طه).
العلم هو أساس التفضيل وارتفاع مقام وقدر الإنسان: وفي ذلك نجد قول الله عز وجل على لسان يوسف عليه السلام في صورة يوسف
"قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
(55)"، وكذلك قول الله عز وجل عن طالوت في سورة البقرة "وَقَالَ لَهُمْ
نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ
يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ
يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ
وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن
يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)".
العلم أفضل أم
المال: يكفي العلماء فخراً أن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ
العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما
ورَّثوا العلمَ، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر"ٍ (صحيح الترغيب – الألباني).
في هذا الشأن وجدت أقوال وحكم، منها ما قاله الإمام علي بن أبي طالب كرم
الله وجهه لـ" كُمَيْل بْن زِيَادٍ": " يَا كُمَيْلُ، الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ
وَأَنْتَ تَحْرُسُ المَالَ. وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ
يَزْكُو عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ. يَا
كُمَيْل بْن زِيَادٍ، مَعْرِفَةُ الَعِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ، بِهِ يَكْسِبُ
الْإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وَجَمِيلَ الأُحْدُوثَةِ بَعْدَ
وَفَاتِهِ. وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ، وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ.
يَا كُمَيْل بْن زِيادٍ، هَلَكَ خُزَّانُ
الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ:
أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، أَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ." (أخرجه أبو نعيم في الحلية: 1/80)
العلم والأخلاق: صاحب العلم عليه
أن يتصف بالأخلاق، فكما قال الشاعر حافظ إبراهيم:
لا تحسـبنَّ العـلمَ
ينفـعُ وحدَه ... مـا لـم يتـوَّج ربُّـه بخــلاقِ
فأصحاب العلم يعرفون أن التواضع وعدم التكبر صفة واجبة في كل صاحب علم
وفكر، حيث أن علم البشر قليل بالنسبة لهذا الكون، "وَمَا أُوتِيتُم
مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" (من الآية 85: الإسراء).
العلم أساس تقدم الأمم: الأمم المتقدمة والتي تريد أن تتقدم تهتم بالتعليم والبحث العلمي، فالاستثمار
في البشر أهم بنود الاستثمار في العالم، وأهم بنود الاستثمار في البشر هو التعليم،
حيث أن تكلفة التعليم تقي وتداوي شرور الأمية والجهل، وتنمية العقول هي الطريق إلى
تنمية الأوطان، والاستثمار في البحث العلمي هو استثمار يغير الواقع إلى الأفضل
وينير طريق الأوطان نحو التقدم، الاستثمار في البحث العلمي أهم وأنفع وأكثر
أنواع الاستثمار ربحاً للأوطان، ولذلك تحرص الدول على رعاية العلماء وتوفير كل
الوسائل لكي يبدعوا ويضيئوا طريق التقدم لأوطانهم.
وفي ذلك أنشد أمير الشعراء أحمد شوقي قائلاً
بالعلم والمال، يبنى الناس ملكهم.......
لم يُبْن مُلْكٌ على جهلٍ وإقلالِ.
وسار على هذا النهج علماء المسلمين الأوائل، حيث نجد مثال على ذلك الإمام أحمد بن حنبل عندما رأى رجلٌ الإمام أحمد ومعه محبرة فقال له: "يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين، ومعك المَحبَرَةُ تحملها" فقال الإمام أحمد: "مع المَحبَرة إلى المقبرة" أي سوف أستمر في التعلم ما دمت حياً، سوف أستمر أتعلم حتى موعد موتي.
العلم نهر بلا شواطئ، العلم لا حدود له، من يشرب منه يحب أن يرتوي بمائه،
ومن يسبح فيه يعشق السباحة في نهر العلم، من يتعلم يشعر بحاجته لمزيد من العلم، من
يتعلم يشعر بمدى ضآلة علمه، وفي ذلك الإمام الشافعي قائلاً:
كلما أدبني الدهر زادني نقص أدبي
وكلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي.
يجب علينا أن نتعلم أمور ديننا ودنينا، وفي العصر الحديث لا بد للإنسان أن
يتعلم كيف يتعامل مع التكنولوجيا الحديثة التي فيها كل يوم جديد.
تطور وسائل التعلم: وسائل التعلم في وقتنا الحالي عديدة وجعلت من التعلم شيء سهل وميسور، من
خلال الشبكة العنكبوتية للمعلومات (الانترنت) أو المحطات الفضائية التلفزيونية أو
الإذاعية، أو الجرائد والكتب.
ندعو الله أن يزيدنا علماً، وأن يعلمنا ما
ينفعنا، وأن ينفعنا بما تعلمنا، وندعو الله أن يكون العلم طريق لتقدم أوطاننا،
وطريق يؤدي بنا إلى الجنة، في الفردوس الأعلى.







محاضرة قيمة جعلها الله في ميزان حسناتك ووالديك بارك الله بالجهود الخيرة
ردحذفجزاكم الله خيرا
حذف