العلاقة الخفية بين البدانة وخِفَّة الظِّل
أستاذ علوم الأغذية
كثيراً ما نلتقي
بالظرفاء، وغالباً ما يكونوا بُدناءِ، فهل هناك ارتباط بين البدانة والظُرف وخفة
الدم؟ وهل حقاً تتمتع هذه الفئة بالسعادة الداخلية فتنعكس على من حولهم؟ أم أنهم
أكثر معاناة بعكس ما يُظهِرون؟!!
فلو اقترتبت منهم لسمعت أزيز
صدورهم ينطق "يا عزيزي كل شيء بقضاء ... ما بأيدينا
خلقنا بُدناء"، فالعلاقة الوطيدة بين البدانة والوراثة مؤكدة علمياً، والخلل الوظيفي في الغدد الصماء ككسل الغدة الدرقية قد يؤدي الى السِمنة،
لكن لشراهة الطعام والإفراط في تناوله نسبة لا يُستهان
بها في إحداث البدانة.
يتذكر جيل تلفاز "الأبيض والأسود" الثنائي الممتع ( لوريل
و هاردي)، وأما جيل الوسط فما زال الرائع يونس
شلبي ( بشوش الوجه، صانع البهجة) وجورج سيدهم
)قنبلة الكوميديا) من أظرف الشخصيات الفنية، كذلك الفنان
الكويتي داود حسين (المدرسة الكوميدية
المتألقة)، أما الجيل الحديث فكم أضحكه علاء ولي
الدين بظرفه وتلقائيته، والشخصية الممتعة (مجدي
"التخين") التي قدمها الفنان
أحمد حلمي في فيلم (X لارج)، وحديثاً الشابة دينا محسن كوميديانة مسرح مصر... وهناك الكثير من
الشخصيات البدينة أمثال الياس مؤدب ومحمد رضا (حنفي
الونش) وحسن أتلة (واد يا غزال ودي
مرنبى يا معلمي).
أما حياتنا اليومية، فلا
تخلو من الشخصية البدينة خفيفة الظل، مرحة الروح، صانعة البهجة، نلتقيها في
العمل والشارع، أو المواصلات، وقد تكون أحد أفراد أُسَرِنا، أو أقاربنا أو
جيراننا، فيحلو معها الحديث ويطيب معها الوقت.
ما العلاقة بين البدانة وخفة الظل؟
أثارت هذه العلاقة شهية علماء
النفس والاجتماع، فأدلى كل منهم بدلوه؛ أكد بعضهم أن الأمر نوع من الذكاء الاجتماعي الذي يفرضه البدين على نفسه
كي يصرف الناس عن بدانته، وينبهم لخفة ظله ودعابته ومرحه. وبالتالي فيضاعف رصيده
من القبول عند المحيطين بهم.
وذهب علماء النفس أن تلك الفئة اجتماعيون
بطبعهم، يميلون للمشاركة في المناسبات والولائم فيحظون بمزيد من الدعابة
ويضفون على تلك المناسبات روح المرح لتصرفاتهم التلقائية في تناول أطايب الطعام
والشراب.
كما أثبتت الدراسات النفسية
أن عامة الناس يرغبون في سماع مواقف مضحكة وفكاهية من أحداث حقيقية للبُدناء، مما
يجعلهم حريصون على تزيين المجالس بنكاتهم ومواقفهم المضحكة حتى لو كانت مكررة أو يسخرون
من أنفسهم.
لكن من الناحية الفسيولوجية؛ فالإنسان البدين يميل الى تناول الكثير من الحلويات والشيكولاته والفواكه والجاتوهات، الغنية عموماً بالسكريات التي تزيد
مستوى إنتاج هرمون السعادة السِّيرُوتُونِين أو الدَّرْئِين (هيدروكسي التريبتامين أو اختصارًا( 5-HT) وهو ناقل عصبي أحادي الأمين يصنّع في العصبونات السيروتونينية ضمن الجهاز العصبي المركزي وفي الخلايا الكرومافينية الداخلية في الجهاز
الهضمي هذا الهرمون يُحسن المزاج ويحد من النوبات الإكتئابية.
لكن
لا يجب التسليم بسابق الآراء، فبرغم إفراز الجسم
للأندروفينات Endorphins (مورفينات المخ) ذات التأثير شبيه المورفين
والذي ينتشر في الجسم بشكل طبيعي عند تناول الأطعمة الحلوة فيمنح شعورًا مؤقتًا بالسعادة
والراحة.
لكن ليس كل البدناء مُدمنى
السكريات أو الأطعمة الحلوة، بل ليس كل بدين ظريف وأن منهم من لا يُطاق
رأياً وفكراً.
إذن الافراط في تناول السكر ليس سبب ظُرفهم ولا هو ادعاء الظرف منهم،
بل هي منحة من الله يهبها لمن يشاء، أي القبول في الأرض، ولله جل وعلا حكمة في ذلك،
ربما هي منحة عوضاً عن أمر ما يعلمه الله، فهم
أقل الناس أعماراً مقارنةً بأقرانهم، فالبدناء أقل عمراً بمعدل 5 -13 عاماً، كما
يحملون من العلل والأمراض أكثر من غيرهم، أما المعاناة اليومية في التنقل أو النوم
أو الجلوس، واختيار الملابس والشراهه للطعام -المحرجة لهم-، وتهكم وسخرية البعض فتلك
قصة أخرى.
الشخص البدين بالطبع ليس سعيداً كما يُظهر
للناس، لكنه يجد في
وجوده بين الناس فرصة للتخفيف من معاناته التي تهاجمه كلما اختلي بنفسه، فمطرقة الاكتئاب
لا تعطل، ونار حزنه على إعاقته اليومية - رغم كونه سليماً في عيون الآخرين - دائمة
الاشتعال، فيهرع للنكات وظريف المواقف والأحداث ليُسر ويُبهج بها نفسه قبل غيره.
خُلاصة القول، البدين ما تمني بدانته يوماً، فقد يكون ورثها، أو خلل فسيولوجي أصابه، أو شراهةٌ وعشق دائم للطعام، لكن منح الله
بعضهم القبول والمحبة في نفوس الآخرين رغم معاناتهم التي يلجأون للخروج منها
بالفكاهة وخِفة الظِل.














