ليسانس الدراسات الإسلامية والعربية – جامعة الأزهر
التنمر سلوك عدائي أصبح من سمات العصر الحديث، فلا يخلو شارعاً
أو مدرسةً من شخص متنمر، يتساوى في ذلك السلوك الرجل والمرأة. السؤال الذي يطرح
نفسه هل التنمر ظهر حديثاً ولم يكن موجوداً من قبل؟ للأسف الشديد التنمر موجود على
مر العصور والأجيال، لكن ما أظهره للمجتمع هو وسائل الاتصال الحديثة التي تبين
وتظهر المشكلات للمجتمع حتى يتسنى حلها.
التنمر
هو تصرفات عدوانية مُتعمدة
تصدر من فرد أو مجموعة أفراد تجاه شخص معين، وله أشكال مختلفة، قد يكون تنمر لفظي
عن طريق الشتائم أو التهديد أو السخرية، تنمر جسدي عن طريق الضرب أو الركل أو
تمزيق الشعر والملابس، تنمر معنوي بالإساءة لسمعة الشخص أو الإحراج أمام
الأخرين.
يبدأ
التنمر في السن الصغيرة
أو مرحلة المراهقة، تشير الإحصائيات العالمية لهذه الظاهرة في الولايات
المتحدة الأمريكية مثلاً أن 8 من طلاب المدارس الثانوية يتغيبون عن الدراسة يوماً
واحداً في الأسبوع خوفاً من التنمر. وتتفاوت نسب التنمر على مستوى العالم. فقد
أوضحت دراسة أُجريت في أيرلندا أن نسبة التنمر في المرحلة الابتدائية 35 %، وفي
المرحلة المتوسطة 36.4 %. هذه النسب تجعل العالم بأسره يهتم بمثل هذه الظاهرة
التي تؤثر بالسلب على الفرد والأسرة والمجتمع.
عند
النظر في التنمر نجده علاقة غير متماثلة بين طرفين، أحدهما يسمى المُتنمر
يجد في نفسه القوة والسيطرة على الأخرين. فالمُتنمر في الغالب شخص لا يشعر بالراحة،
يُظهر عكس ما يبطن، لديه إحساس بالنقص فاقد للثقة، لديه إحساس بالفراغ، ولا يجد اهتمام
بمن حوله. كذلك الاهتمام الزائد من الأسرة يعطيه شعور بالتحكم والسيطرة في كل
الأمور التي تحيط به، لذلك فخير الأمور الوسط. حيث يجب أن تكون المعاملة بلا إفراط
أو تفريط.
فيما
يتعلق بالطرف الآخر، وهو الضحية، تظهر عليه علامات التي تعكس حالته
المزاجية المتقلبة، فتجده عصبي وقلق، دائم الخوف مع البكاء في صمت، لا يهتم بمظهره
أو ملابسه، يبتعد عن أصدقائه والأنشطة الاجتماعية، يهمل في واجباته وكذلك تحصيله
الدراسي ضعيف. وهذا تحذير للأمهات، اللاتي يجب عليهن الانتباه لمثل هذه
الأعراض على أولادهن.
وعليه،
فإن الأسرة لها دور كبير وفعال في تكوين شخصية الطفل، ومع هذا قد لا تعلم الأسرة
بوجود مثل هذه الحالة المرضية لدى طفلها. فالتنمر فعلاً مرضياً لابد من التخلص منه
حتى يستقيم المجتمع.
التنمر
ليس له أماكن مخصوصة
ولكن أكثر صوره في المدارس، خاصة الأماكن الهادئة
كالحمامات والملاعب. تظهر إحصائيات أن 47.2 % من حالات التنمر تحدث داخل المدرسة أو
على الدرج، وتحدث 33.6 % داخل الفصول الدراسية، والنسبة الباقية تحدث في ملعب
المدرسة ووسائل الانتقال.
لذلك
يأتي دور المدرسة أساسياً
وبارزاً في علاج هذه المشكلة. فلابد للمدرس أن يلاحظ
سلوك الطلاب في تعاملاتهم مع بعضهم البعض، مع مراعاة وضع مكافآت للسلوك
الجيد، وعقاب للتلميذ المُصِر على التنمر، كذلك التواصل
والدعم للتلاميذ حتى يعطيهم الثقة بالنفس والبعد عن الإضرار بالأخرين، أيضا
إعلام الأسرة بما يظهر على أبنائهم من سلوك عدائي،
فلابد أن تتكاتف الأسرة والمدرسة في حل هذه المشكلة وعدم تفاقمها عند الطفل.
ومن الأمور المفيدة أيضاً عمل لافتات وعلامات تُذكر بسلبيات التنمر وعواقبه.
حتى
نقي أنفسنا من التنمر وأضراره
لابد من تربية الأطفال على التواضع وحب الأخرين. كما أكد مركز الأزهر العالمي
للفتوى أن الإسلام نهى عن خداع الناس المؤدى إلى إخافتهم ولو على سبيل
المزاح لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا
يأخذ أحدُكم عصا أخيه لاعبًا أو جادًّا فمن أخذ عصا أخيهِ فليردَّها إليهِ" (سنن
الترمذي -
صحيح لغيره).
كذلك
الصحبة الصالحة التي تعين على فعل الخير والبعد عن
الشر، والاهتمام بسلوك الطفل وعدم التماس الأعذار
له عندما يكون مخطيء، المساواة بين الأبناء وبعضهم
حتى لا يتولد لديهم روح العداء والكراهية، أيضاً البعد عن
ممارسة الألعاب والعروض العنيفة التي تولد الإحساس بالكبت والقتال، اهتمام
الأسرة بالطفل ومعاملة معاملة حسنة، كذلك الاهتمام بالعلاقة بين الطلاب في المدارس
وخلق روح الحب والتعاون بينهم.
بالنظر
في حقيقة التنمر نجد له ضحيتين
ليست ضحية واحدة، فالمُتنمر هو الضحية الثانية وأكثر بؤساً
من الضحية الأولى، لأنه أكثر فشلاً في الحياة وعُرضة للمخاطر وارتكاب
الجرائم نتيجة سوء التنشئة الأسرية والاجتماعية.
لذلك
لابد من الاهتمام النفسي والاجتماعي لكل من المُتنمر والضحية، حتى لا تؤدى إلى
عواقب قد تصل إلى إهلاك أنفسهم، كتعاطي المخدرات أو التخريب أو الاكتئاب والقلق، وقد
تصل الأمور إلى محاولة الانتحار.
لذلك
لابد من عمل برامج للتوعية يشترك فيها المختصين بالجانب النفسي والتربوي مع
الأسرة والمدرسة جنباً إلى جنب في حل هذه الظاهرة المقيتة، للوصول بالأجيال
الناشئة إلى طريق الأمان. حفظكم الله وأبنائكم من كل مكروه وسوء.










0 comments:
إرسال تعليق