الجمعة، 21 ديسمبر 2018

ميكروبات ممرضة لكن مدللة - حكمة بالغة

ميكروبات ممرضة لكن مدللة - حكمة بالغة

ميكروبات ممرضة لكن مدللة - حكمة بالغة

أ‌.  د. وسام الدين إسماعيل علي صابر


أستاذ الكائنات الحية الدقيقة

ترتعد الفرائص، وتقشعر الأبدان، وتنتبه الأذهان، لدي سماعنا اسم الميكروبات أو الجراثيم أو الفيروسات، تلك المخلوقات التي تتسبب في أمراضاً معدية وخطيرة للإنسان وغيره من الأحياء. فبالرغم من أن أغلب الميكروبات ليست ممرضة، إلا أن هذه النسبة القليلة الممرضة هي التي تلفت الانتباه حيثما تذكر الميكروبات، وتشوه سمعة النافع منها.
Mycobacterium tuberculosis
        تلك الكائنات المتناهية الصغر، التي ذاع صيتها منذ اكتشاف عدسات التكبير، وعلى الرغم من ذلك فهي أشد الكائنات فتكا بغيرها من الخلائق. فلا يكاد يوجد على الأرض مكان لا تتواجد فيه، ولا يكاد يوجد كائن حي لا يصاب بالميكروبات، حتى الميكروبات نفسها تصاب بأمراض ميكروبية من بني جنسها من الميكروبات الأخرى. وللحق فإن الأمراض المتسببة عن الكائنات الحية الدقيقة هي أمراض خطيرة، تستحق الاهتمام وتحتاج عنايه. فمرض السل أو الدرن، الذي تسببه البكتيريا Mycobacterium tuberculosis، يحصد مليونا شخص سنويا، وكذلك الحال في باقي الأمراض الميكروبية، كتلك التي تحدث عن طريق الأغذية التي تسببها أنواع مختلفة من الميكروبات مثل السالمونيلا Salmonella والشيجيلا Shigella.
بكتيريا salmonella typhimurium  
بكتيريا  Shigella
         لكن بنظرة عن قرب على طبيعة هذه الميكروبات الشرسة - كما نتصورها - نجد صورة مغايرة ومختلفة تماما، وربما تثير التعاطف. فربما لم يتبادر للذهن يوما أن تلك الكائنات الدقيقة الممرضة التي تسبب العدوى الميكروبية، هي كائنات مدللة تحتاج لرفاهية عالية لكي تنمو وتتكاثر وتجد مكانها على كوكبنا، وأن هذا الدلال من لُطف الله بنا نحن البشر. بل هي كائنات معاقة تحتاج من يأخذ بيدها ويساعدها على إحداث المرض! الأمر الذي يتطلب وقفه مع تلك الكائنات الشرسة، والخطيرة بحق، لنتبين لُطلف الله بنا، وكيف حجَّم وأضعف ضراوتها، وضمن لهم الحفظ من شرها، حال اتباعنا لأمر الله فينا، فحكمة الله دوماً تقتضي اللطف بعباده. "ٱللَّهُ لَطِيفٌۢ بِعِبَادِهِۦ"  (الشورى: من الآية 19)


بدايةً، وبنظرة فاحصة على الميكروبات عموماً واحتياجاتها البيئية والغذائية المناسبة للنمو، نجد أنها تتنوع بشكل كبير، ويمكنها العيش والنمو في ظروف غاية في القسوة. فلو أخذنا مثلاً على درجة الحرارة المناسبة للنمو؛ يمكن تصنيف الميكروبات عموماً إلى؛ المُحبة للبرودة وتنمو في المدى الحراري من تحت الصفر وحتى 20 درجة مئوية. ومجموعة أخرى تنمو في درجات الحرارة المعتدلة، من 20 إلى 45 درجة مئوية. والميكروبات المُحبة للحرارة العالية؛ تنمو في مدى حراري من 50 حتى 70 درجة مئوية. وهناك مجموعة تنمو في درجات حرارة قصوى، أعلى من 80 درجة مئوية. وهي أكثر مما يمكن أن يتحملها أي كائن حي. ومن أمثلتها تلك المتواجدة في عيون الماء الساخنة والفتحات الحرارية الأرضية كالبراكين. فمثلاً يمكن للبكتيريا من جنس Pyrodictium العيش في درجات حرارة أعلى من 100 درجة مئوية. وتتواجد في الجدران المسامية للفتحات في أعماق البحار، حيث تصل درجة الحرارة الداخلية إلى 400 درجة مئوية، بينما تكون البيئة البحرية الخارجية عادةً 3 درجات مئوية، ومع ذلك فهي قادرة على التكيف مع هذا النوع من الموائل الساخنة والباردة في آن واحد. ولا تقتلها الحرارة في الأعماق الكبيرة في البحر، حيث لا يغلي الماء بسبب ارتفاع الضغط. كما أن العديد منهم قادر على تحمل الظروف المناخية البيئية الأخرى، مثل الحموضة العالية ومستويات الإشعاع العالية. كما يمكنها التكيف والتواجد في مدى واسع من التنوع الغذائي بداية من الترمم وحتى التطفل على الكائنات الحية.

وعندما نخص الكائنات الممرضة بالحديث، فلا تنمو في هذا المدى الحراري الواسع مثل شقيقاتها، ولا تنمو مترممة على الجيف. ولكنها تحتاج معايير خاصة وشروط صارمة ومحددة لحياتها. ربما لم يدر بخلدك أن أغلب البكتيريا الممرضة تكون ممرضة فقط في حالات معينة، ويتوقف ذلك لحد كبير على طريقة تفاعلها مع العائل. وتتواجد الكثير من الميكروبات على أو بداخل الكائن الحي، ويمثل وجودها بشكل متزن دلالة قوية على صحة الكائنات الحية.

فعلى سبيل المثال؛ العديد من البكتيريا العقدية أو العنقودية أو المعوية تتواجد وتشكل جزء من الميكروبات الموجودة بشكل طبيعي في جسم أي الإنسان، وعادةً ما توجد في الأنف أو الجلد أو القناة الهضمية. ومن الممكن أن تسبب عدوى للجلد أو الرئة أو التهاب السحايا أو الجهاز الهضمي. إلا أنها انتهازية فقط، ولا يمكنها إحداث المرض من تلقاء نفسها، فهي دوماً تنتظر لحظة الهجوم المناسبة، كأن يحدث هبوط في المناعة، أو جرح يسمح للبكتيريا بالدخول لتيار الدم مباشرة. وهذا أيضاً من لُطف الله بنا، والا لكانت الأجساد مرتعاً للميكروبات من كل حدب وصوب.

فالمتأمل في الظروف المعيشية التي تتطلبها تلك الكائنات يجد الممرضات تعيش في 37 درجة مئوية غالباً، وهي درجة حرارة الجسم، فهذه الدرجة هي المناسبة لتحدث المرض، وبالطبع تتأثر سلباً وبشدة كلما بعدت عن درجة الحرارة المثلى لنموها. كما أنها تتطلب أنسجة حية، مثل الفيروسات، لكي تحافظ على قدرتها في إحداث المرض. حتى أنها تحيا أسيرة داخل انسجة محددة لا يمكنها التحول من مكانها، فقد تفتك بها حموضة المعدة القاتلة إذا انتقلت هذه الكائنات من مكانها إلى داخل المعدة، أن لم تكن مهيئة لذلك. فهي دائما تحت الإقامة الجبرية. وعندما تتعرض لظروف معيشية مختلفة عن تلك المناسبة لها سواء داخل أنسجتها، أو حال انتقالها لمكان آخر داخل الجسم غير الذي تأقلمت على إمراضه، تصبح معاقة، وبالكاد يمكنها أن تحافظ على حياتها.

حتى إن أنسجة العائل المريضة لا تعد بيئة مناسبة لنموها، فلا تصيب أنسجة مريضة بالفعل، فهي شديدة الدلال والأنفة وبعضها شديد التخصص. لذا لا يمكن للغالبية منها أن يحدث أمراضاً، حتى وان كان ملاصقا للإنسان إلا في حالات محدودة. وهذا من حكمة الله البالغة. "حِكۡمَةُۢ بَٰلِغَةٞۖ فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ" (الـقمـر: 5)


وعليه فإن التخلص من هذه الميكروبات الممرضة في غاية السهولة واليسر. وتعد بسترة اللبن من الأمثلة التي توضح ذلك، حيث تستخدم عوضاً عن المعاملات الحرارية الشائعة التي تتلف بعض مكونات اللبن الهامة، وخاصة الفيتامينات، لذا تتم البسترة للتخلص من أكبر قدر من البكتريا، وتحفظ أكبر قدر من الفيتامينات في الوقت نفسه. وهناك طرق عدة للبسترة، تعتمد أغلبها على رفع درجة الحرارة مع مراعاة الزمن، يلي ذلك التبريد السريع والمباشر. إلا أن أشهرها يتم عند درجة حرارة 63 درجة مئوية لمدة 30 دقيقة، أو 72 درجة مئوية لمدة 15 ثانية. حيث تقضي على أكبر قدر من الكائنات الحية الدقيقة، وتفقدها فاعليتها بلا رجعة، ويكون من غير المحتمل أن تسبب أمراضاً مرة أخرى. ولا تعد هذه الحرارة في العرف الميكروبي قاتلة للغالبية العظمى من الميكروبات، حيث أن العديد من الكائنات الدقيقة تتحمل بل وتنمو على أكثر من هذه الدرجة، كما سبق وأشرنا.

نعود للبسترة، حيث تؤدي تلك المعاملة إلى القضاء على جميع المسببات الممرضة، في حين تظل نسبة ضئيلة من غير الممرضات على قيد الحياة بعد عملية البسترة. ولعل هذا من لُطف الله بنا، ذلك أن المسببات المرضية لا تتحمل هذه الحرارة المتواضعة - في عُرف التعقيم – فتموت سريعاً. فهي ميكروبات مدللة، يلازمها الوهن كجزء أصيل من طبعها، ولا تتحمل تلك الظروف القاسية. في حين يمكن للعديد من الميكروبات غير ممرضة أن تظل على قيد الحياة حيث تتحمل هذه الدرجة من الحرارة.

وبالنظر لتلك الأمثلة وغيرها كثير مثل الكوليرا والتيفويد، فجميعها تتطلب معيشة من نوع خاص وبيئات شديدة التعقيد معملياً لدجة أن المتخصصين قد يجدوا صعوبة في تنميتها معملياً، إن لم تتبع الاحتياطات والأساليب المعملية التي تناسب كل ميكروب على حدة. ومع هذا فإن بعضها لا ينمو تحت ظروف المعمل على البيئات الاصطناعية مطلقاً مثل الفيروسات. الغريب أن بيئة التنمية لهذه الميكروبات تحت ظروف المعمل قد تتطلب إضافة جزء من الكائن الحي ذاته، مثل الدم أو خلايا حية، لكي يمكن إنماء هذه الميكروبات معملياً. فهي كائنات متخصصة لحد كبير، واحتياجاتها الغذائية معقدة. والغريب أن تحت هذه الظروف المعملية، غالباً ما تفقد قدرتها على إحداث المرض لذلك، لا تجدها تنتشر بسهولة. وهذا من لُطف الله بنا.
بكتيريا تنمو على وسط غذائي فيه دم
دعنا الآن ننظر للجانب الآخر من الصورة، تخيل أن العكس هو الصحيح وأن الميكروبات الممرضة هي التي تتحمل الظروف القاسية وتقاوم عوامل الفناء، فماذا سيكون الحال؟ تخيل أنها يمكنها بسهولة النمو في مدى حراري واسع وعلى درجات متفاوتة من الحموضة والضغط. فماذا سيكون الحال؟

ويبقى السؤال ... كيف لهذه المخلوقات الضعيفة في تكوينها أن تُسبب كل هذا الضرر، وأن تستحوذ على انتباه العالم بين الفينة والأخرى؟ وتثبت للإنسان دوماً أنه أضعف منها. ربما لن يسعفنا المقام هنا لذكر الأسباب، لكن بالجملة، غالباً ما تجد مخالفة الإنسان الصريحة للنواميس الفطرية، هي السبب وراء تمرد هذه الكائنات الضعيفة على الإنسان والنكاية به. وتزداد ضراوتها وشدة فتكها، كلما كانت مخالفة الإنسان للفطرة مخالفة جسيمة وصريحة، فالمعاناة من فيروس الإيدز، مثلاً، بالرغم من ضعفه، لم تنتهي بعد.

هناك 10 تعليقات:

  1. أبدعت د. وسام ...
    أظهرت لنا إبداع الخالق العظيم.
    الإنسان المتعالى المتكبر يقهره ميكروب متناهى الضآلة...

    ردحذف
  2. شرف لنا متابعتكم الكريمة

    ردحذف
  3. أكرمك الله من فضله أستاذي الفاضل

    ردحذف
  4. بارك الله فيكم.. أسعدنا متابعتكم

    ردحذف
  5. مقالة رائعة وأسلوب راقي ...زادك الله من علمه

    ردحذف
  6. تشرفنا بمروركم

    ردحذف
  7. نشكركم د وسام للإفادة البالغة، وجميل منك أن ذكرتنا بنعم الله الكبيرة . ربما لا نعرف إلا قدرا ضئيلا منها، لكننا أدركنا جيدا أننا محوطون بالعناية.

    ردحذف
    الردود
    1. Dr. WesamEldin Ismail4 يناير 2019 في 12:07 ص

      شرفنا بمتابعتكم القيمة

      حذف
  8. جزاكم الله خيرا على هذه المعلومات القيمة الاستاذ الدكتور وسام الدين اسماعيل

    ردحذف
  9. أكرمكم الله وبارك فيكم

    ردحذف