الثلاثاء، 11 ديسمبر 2018

كلام في صمت


 كلام في صمت


ليسانس الدراسات الإسلامية والعربية – جامعة الأزهر

      عندما خلق الله آدم، فطره على أن يكون اجتماعي بطبعه، يأنس بأهله وذويه، وعلمه الأسماء كلها، ليسهل عليه سُبل التواصل، كما خلق له حواء، وجعل الكلام وسيلة للتفاهم والتشاور في شتى الأمور. مع هذا، نجد أن طبيعة الرجل وتكوينه تميل إلى الإيجاز والاختصار، بعكس المرأة، التي بطبعها كثيرة الكلام، تشرح أدق التفاصيل حتى وإن لم تكن مهمة، ولا أَجور عليهن إن قلت إن منهن من تفتعل المواقف من أجل الكلام، والتحدث، والمناقشة، فلا تمل من الحديث في أي موضوع، وإن كررته أكثر من مرة.

      وهذا ما أثبتته الدراسات العلمية؛ أن الصمت أكثر شيوعا بين الرجال عن النساء، وقد عزى بعضهم السبب إلى وجود هرمون السيروتونين وهرمون الأوكسيتوسين اللذين يعملان على تهدئة الأعصاب. كما أوضحت دراسة أمريكية أن مخ المرأة يحتوي على 11% من الخلايا العصبية في المنطقة المسئولة عن مراكز الإحساس والذاكرة، أكثر من الرجل. لكن ذلك لا يمنع من وجود رجال يتكلمون بشكل زائد عن الحد وملفت للنظر.

من السهل أن تتعلم الكلام ولكن من الصعب أن تتحلى بالصمت، يستوي في ذلك الرجل والمرأة. جاء من وصايا لقمان الحكيم لابنه: "يا بني إذا افتخر الناس بحسن كلامهم، فافتخر أنت بحسن صمتك". قال الأمام علي كرم الله وجهه: "بكثره الصمت تكون الهيبة". فهذه المقولة أوضحت لنا الشكل العام للصامت، فتجده أعلى مقاماً وأرفع قدراً وأعظم فضلاً.
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت
جاء في الحديث الصحيح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليقُلْ خيرًا أو ليصمُتْ" (متفق عليه). ففيه أمر واضح من نبينا الكريم على قول الحق وأمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر، لكن في المقابل إن لم نستطع فعل ذلك فعلينا بالصمت، ففيه الخير للجميع. ونتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضى الله عنه: "عليكَ بالصَّمتِ إلَّا مِن خيرٍ، فإنَّهُ مطردَةٌ للشَّيطانِ عنكَ، وعونٌ لكَ علَى أمر دينِكَ" (صحيح ابن حبان).
وللملوك في الصمت دُرر يجب نثرها؛ منها قول ملك الصين: "ما لم أتكلم بالكلمة ملكتها، فاذا تكلمت بها ملكتني". وقال ملك الهند: "العجب ممن يتكلم بكلمة إن رفعت ضرت وان لم ترفع لم تنفع". وعندما سُئل ملك الفرس عن الصمت قال: "ما ندمت على ما لم اقل مرة وندمت على ما قلت مرارا". أما قيصر الروم فقال: "أنا على رد ما لم أقل أقدر من الرد على ما قلت".


على الجانب الآخر، هناك الصمت السلبي فقد يصمت الإنسان بسبب ضيق النفس، أو الحزن من كثرة الأوجاع، التي خبئها بداخله، ولا يقوى على البوح بها، أو لا يجد في كلامه القبول من المحيطين به، أو عدم الانسجام مع من حوله، كذلك الإحساس بالظلم وعدم مقدرته الدفاع عن نفسه، أو الخوف من أمور لا يحب الكلام فيها، أو عدم الثقة في الأخرين. فتراه دائم الصمت، قليل الكلام لا يميل إلى التعرف على الناس من حوله، غير واضح، فلا نستطيع تمييز تعابير وجهه أو انفعالاته، يُؤثر حديث النفس عن التحدث مع الأخرين، وإهدار الوقت في كلام ليس له طائل.
 هناك نوع من الصمت يسمى "بالصمت الانتقائي" يوجد عند الأطفال ويكون في سن ما قبل المدرسة وهو اضطراب يجعل الطفل لا يتحدث في مواقف محددة وعادة ما يرافقه الخجل أو الرهاب الاجتماعي. لذلك أوصت الرابطة الألمانية لأطباء الأطفال، بضرورة استشارة الطبيب، إذا لم يتحدث الطفل خارج المنزل لمدة 4 أسابيع، لان هناك بعض الأسر التي تخلط بين الصمت والخجل.
من خلال ما سبق يتضح لنا أن التعامل مع الشخص الصامت من الأمور الصعبة، فهي تحتاج إلى مهارة عالية وأسلوب جذاب حتى يتفاعل في الحوار، ويخرج من صمته، فلابد من منحه الثقة والاحترام، حتى نكسب وده ويطمئن للحديث والمشاركة في الحوار، ومن الأفضل أن يكون الحوار يتسم بروح الدعابة والمرح حتى يرفع حاجز الصمت عنده.


لكن هل يُعتبر الصمت سكوتاً؟ اختلف علماء اللغة في ذلك، قيل إن السكوت هو ترك الكلام مع القدرة عليه؛ سواء كان قول حق أو باطل، ويكون في مواقف الخوف غالبا. أما الصمت فيراعى فيه طول مدة ضم الشفتين والإمساك يكون عن الباطل دون الحق، ويكون الصمت من أدب أو عن حكمة.
بالنظر لماهيه الصمت الصحية، أي التي لا يكون لها أحد الأسباب النفسية أو الاجتماعية السابق الإشارة إليها، نجد أن فوائده كثيرة منها:

·             قال وهب بن الورد: "بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت والعاشر في عزلة الناس"

·             يعمل على الهدوء النفسي والاستقرار والتخلص من الأفكار والمشاعر السلبية.

·             يعطي الإنسان فرصة للتفرغ للعبادة والبعد عن آفات اللسان وأمراض القلوب.

·             زيادة التركيز والتأمل والتفكير السليم.

·             تجديد وتنشيط خلايا المخ.

·             التقليل من الإجهاد والتوتر.

·             زيادة المهارات المعرفية.

وليكن ختامنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من صمت نجا" (حديث حسن – الترمذي وأحمد). ما أروع هذا الهدي! وما أجمل هذه العبارة! فقد كفت ووفت وحوت كل ما يقال عن الصمت.

هناك 8 تعليقات:

  1. مقالة مميزة بلغة فصيحة وسليمة لا تخلو فقرة من إضافة ....جهد مشكور

    ردحذف
    الردود
    1. مشكور دكتور اثريتم الصفحة بمروركم الكريم

      حذف
  2. ما شاء الله زادكم الله علما

    ردحذف
  3. مقالة جميلة ومفيدة فى انتظار كل جديد

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا على مرورك الطيب لو ممكن الاشتراك في الموقع لمعرفة شخصكم الكريم

      حذف
  4. موضوع رائع.. وحكمة بليغة ..ولنا فى رسول الله..القدوة الحسنة.

    ردحذف