الثلاثاء، 9 أكتوبر 2018

صحتنا أفضل في الشارع


صحتنا أفضل في الشارع

صحتنا أفضل في الشارع

أستاذ الكائنات الحية الدقيقة والنشاط الميكروبي

     مع أن مصطلح "أطفال الشوارع" يصطدم بفكر سلبي عند عامة الناس، إلا أنه من المثير للانتباه أن نجد أطفال الشوارع يتمتعون بميزات صحية وسلوكيه عن غيرهم. وعموماً فلا يقصد بهم هنا أولئك الأطفال المشردون أو عديمو الأهل أو المتسولون أو غيرهم ممن لا ينخرطون بشكل صحي في المجتمع. ولكن يقصد بهم أولئك الأطفال الذين يقضون فترة كافية من حياتهم اليومية خارج المنازل. يتعرضون للشمس والهواء دون أن يتخذوا تدابير صحية صارمة. وغالباً وبشكل شبه يومي، يقضي الأطفال في الأحياء الشعبية أو الريفية أوقاتا في الشارع للعب، أو يجتمعون للاستمتاع بالوقت - فيلس لديهم ناد - حيث يكون الاختلاط الاجتماعي للأطفال وحتى لذويهم أمر حتمي. فهذه البيئة لا يمثل المنزل الوحدة الأسرية، ولكن يكون الحي أو القرية هي منزل لكل الأطفال، بخلاف أقرانهم في الأوساط الأكثر تحفظا، حيث يرتبط تواجدهم في الشارع بضرورة قصوى وعلى فترات زمنية متباعدة.
     ومن هذا التوضيح نعود مرة أخرى للسؤال، هل صحتنا أفضل في الشارع؟ هل أطفال الشوارع أكثر صحة من غيرهم؟ هل يتمتعون بميزات تخصهم وحدهم؟ فيما يلي إشارة لبعض الحقائق العلمية التي تمثل أساسا للإجابة.

الشمس
     ثمة مقولة قديمة تقول "إن البيت الذي تدخله الشمس لا يدخله الطبيب". ربما يلخص هذا القول أهمية الشمس، ويبين كم ظلمنا أنفسنا جراء العيش باستمرار بعيداً عن الشمس، والأسوأ من ذلك العيش داخل غرف خرسانية مغلقة مع إضاءة اصطناعية مملة، معزولة عن العالم الخارجي بجهاز تكييف الهواء.
     فبجانب كونها مصدرا للطاقة، فالشمس هي مصدر للحياة. نعم، فبدونها لن يحدث أهم تفاعل كيميائي على وجه الأرض، انه البناء الضوئي في النباتات. فمن خلاله ينتج الأكسجين النقي للتنفس والأغذية النباتية كطعام. إلا أن ثمة أهمية أخرى للشمس تتعلق بالصحة يجب الوقوف عندها.

فيتامين د
    من المعلوم أهمية فيتامين د للجسم فهو يعمل على تقوية العظام والأسنان خصوصاً لدى الأطفال والسيدات في السن المتأخرة، ويحارب السرطان ويقي من مرض التصلب المتعدد Multiple sclerosis، وأمراض القلب وكذلك التخلص من الدهون وتخفيف الوزن. عند التعرض لأشعة الشمس يمكن الحصول على جرعة مجانية وبجودة ممتازة من هذا الفيتامين، حيث تحدث بين الشمس والجلد عملية معقدة ينتج عنها فيتامين د، ويعد لون البشرة، الفاتحة أكثر كفاءة من البشرة الداكنة في اصطياد هذا الفيتامين حيث تحتاج البشرة الداكنة لما بين 5 إلى 10 أضعاف كمية الضوء لتنتج نفس الكمية من فيتامين د.
      لذا فإن العيش في أماكن مشمسة والتعرض لأشعة الشمس تحت البنفسجية، يُمكن الإنسان من الحصول على حاجته من فيتامين د. ولا يمكن للأشعة تحت البنفسجية ذات الطول الموجي القصير أن تمر عبر الزجاج، لذلك إذا أردت أن تستفد من الشمس في بيتك فلابد من فتح زجاج النوافذ، أو تخرج للشارع. والمسألة ليست صعبة، فطبقا للدراسات، يعتبر15 دقيقة من التعرض لأشعة الشمس بشكل متقطع لستة أيام متتالية مناسبا للحصول على مخزون من فيتامين د تكفي 49 يومًا بعيدا عن أشعة الشمس.
     ويجدر الإشارة إلى أن الصورة التي يمتص عليها فيتامين د من الشمس هي أفضل صور الفيتامين على الإطلاق ولا تقارن بحال مع صوره في المكملات الغذائية. إن الإفراط في تتناول المكملات الغذائية من فيتامين د يسبب سمية، وارتفاع لمعدلات الكالسيوم في الدم، وما يترتب عليه من حصوات الكلى. في المقابل، لا يحدث أي من تلك التعقيدات بسبب الجلوس تحت أشعة الشمس حتى وإن طالت الفترة، فهي مصدر طبيعي آمن.

الجهاز المناعي
     في دراسة غريبة من نوعها أجريت على فئران تم تعقيمها كُلياً بحيث لا تحوي أي ميكروب على أو بداخل أجسادها، أطلق عليها الكيانات الخالية من الميكروبات. أدى هذا التعقيم الزائد والتدابير الصحية الصارمة إلى فشل هذه الفئران في أن تحيا حياة طبيعية وسليمة، فلقد ظهر عليها أعراض الشيخوخة المبكرة وشذوذ في نموها وسلوك غير طبيعي في حياتها، كما أنها كانت غير قادرة على الإنجاب، وأصيبت بأورام وأمراض عديدة واضطرابات في النمو، قبل أن تموت دون أن تكمل أعمارها الافتراضية.

فلك أن تعلم أن الميكروبات تحتضننا على الدوام، في هواء التنفس، وماء الشرب، والطعام الذي نأكله وعلى الفرش، بل إنها تحيا على جلودنا وبداخل أجسادنا. وهي جزء من التكوين البيولوجي للكائن الحي. وتستوطن الأنف والفم والقناة الهضمية وأجزاء كثيرة من الجسم، وهذا أمر طبيعي، ومن هنا تتولد المناعة.
     فوجود هذه الميكروبات على أو بداخل الجسد تعطى إشارات دائمة للجهاز المناعي في الجسد لكي يظل متيقظا على الدوام، فتتولد في الذاكرة المناعية للجسد أجساما مضادة لشتى الميكروبات التي يتعرض لها، فيتشكل جهازه المناعي وله قاعدة بيانات ضخمة ضد العديد من الجراثيم تمكنه من الحفاظ على حياته ويكون مستعداً دائما لمواجهة أي غزو ميكروبي محتمل. وكلما تنوعت هذه الميكروبات كلما تنوعت الأجسام المضادة وتكون في الجسد بمثابة سد قوى ومنيع ضد العديد من الأمراض، تماما مثل ما تحدثه اللقاحات والأمصال الوقائية التي نتناولها.
     وهنا يجب أعود إلى خطر الرعاية الفائقة التي يتعرض لها الأطفال المدللين بشكل خاص، حيث تواجدهم باستمرار داخل غرف مغلقة وتدابير صحية مبالغ فيها حرمهم من أن يتشكل جهازهم المناعي بشكل سليم. حيث تؤدى هذه الطريقة في الرعاية إلى محدودية الجهاز المناعي بل وانعدامه أحيانا، مما ينعكس على عموم صحتهم، وذلك لحرمانهم من اللقاحات والأمصال الطبيعية التي تحث على تكوين المضادات الطبيعية في أجسامهم، مقارنة مع أقرانهم ممن يتعاملون في الشارع.
    ولا يقف الأمر عند هذا الفعل الوقائي، بل إن الميكروبات التي تستوطن الأمعاء، مع كونها تساعد في عملية الهضم، فإنها أيضا تعمل على قتل أو تحجيم أي ميكروب ممرض قد يصل إلى القناة الهضمية، وكذا التخلص من آثاره الضارة في الأغذية. الأمر الذي يستوجب تحسين نوعية الميكروبات التي تستوطن الأمعاء، بالإمداد الدائم بالميكروبات المفيدة كتلك التي تتواجد في الألبان المتخمرة مثل اليوجورت (الزبادي).
     كما ينطبق هذه الأمر على الجهاز التنفسي، فكلما كانت ذرات التراب في هواء التنفس غنية بالميكروبات كلما كانت الرئتين في أحسن حالاتها. وبالطبع لن يحدث ذلك في الغرف المغلقة. فأولئك الأطفال الذين يتعرضون لهذا النوعية من الهواء هم أكثر مقاومة وأقل عرضة للإصابة بحساسية وأمراض الصدر والجهاز التنفسي، كونهم يستنشقون على الدوام أنواع شتى من الميكروبات المحمولة على ذرات التراب. ولا داعي هنا للقلق، فكل هذه الميكروبات موجودة بشكل خامل ولا تستطيع إحداث المرض بشكله الشرس، ولكنها فقط تمثل قاعدة بيانات لاستثارة الجهاز المناعي ليكون مستعدا على الدوام، تماما مثل اللقاحات والأمصال كما سبق القول. فالحقيقة أن هذه الميكروبات تقوم بنفس الدور بشكل أو بآخر على كافة أجهزة الجسم.
    والغريب أنه منذ عدة عقود مضت توصل الباحثون أن التدابير الحياتية الصارمة والرعاية الصحية الفائقة بشكل دائم، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بضعف المناعة والإصابة بالأمراض. كما أن اللعب واختلاط الأنداد من الأطفال وغيرهم في الشوارع أو المجتمعات المفتوحة يمثل فرصة هامة لتبادل قاعدة البيانات المناعية فيما بينهم، حيث يمثل الاحتكاك والتلامس المباشر فيما بينهم وكذا هواء الزفير فرصة لتبادل المجاميع الميكروبية الضعيفة التي يحملها أقرانه، حيث تمثل مصادر مختلفة وإضافية لقاعدة بيانات الجهاز المناعي للجسم، مما يحفز من مناعتهم بشكل أعمق.

الصحة النفسية والاجتماعية
    اختلاط الأنداد أيضا من ذوي الثقافات المقبولة في مجتمعاتنا يمثل موردا فريدا لبناء الشخصية، بالإضافة لكونه مصدرا هاماً لمعلومات وخبرات اجتماعية في شتى المواقف، والتي قد تكون من مرجعيات ثقافية مختلفة لا تصطدم في الوقت ذاته بالثوابت والأخلاق الاجتماعية المتعارف عليها. كما تبادلون فيما بينهم الخبرات والثقافات الفردية ويفرغ كل منهم أي شحنات أو طاقة سلبية، قد تؤثر على سلوكه أو تكبت أفعاله. الأمر الذي يشكل شخصية مثقفة واعية ذات ذكاء اجتماعي ملموس، يساعد على ضمان سلامة صحته النفسية وبالتالي نجاحه في حياته الخاصة والعامة.
الضوء والحالة المزاجية

عندما تصل أشعة الشمس إلى شبكية العين تعمل على إنتاج هرمون السعادة المعروف بالسيروتونين الذي يؤثر إيجابيا على مزاج الإنسان، ولذلك يدخل ضمن الأدوية المضادة للاكتئاب. فيكفي أن تتعرض لأشعة الشمس لربع ساعة حتى تشعر بحالة مزاجية رائعة. ومن هنا تبرز صيحة علاجية جديدة هي العلاج بالضوء. والذي تستخدم فيه ألوان وأطوال موجية مختلفة يتعرض لها الإنسان لفترات وجرعات تختلف بحسب حالته، لتمثل العلاج الناجع للعديد من الأمراض النفسية والجسدية. وإن كان هذا النوع من العلاجات في بدايته، إلا أنه سيعد أحد الخيارات الواعدة للاستشفاء في القريب. ومن هنا يمكن ربط الفوائد الجسدية والنفسية للتواجد في الشارع أو التنزه في النادي أو الأماكن المفتوحة بشكل عام.
التخلص من الطاقة السلبية
يمكن للإنسان أن يشعر بحالة مزاجية سيئة دون أن يدري السبب، ويبدو ذلك واضحا من خلال ردود الأفعال والتصرفات، هذه باختصار هي الطاقة السلبية، والتي قد تتطور إلى أمراض عضوية ملموسة. ويعد الانحباس شبه الدائم بين الجدران أهم أسباب هذا الشعور. ولذا يكون الخروج للشارع والتعرض للضوء الطبيعي والشمس من أهم علاجات هذه الطاقة السلبية.


هل ضاعت الفرصة وفات القطار؟
      بالطبع لا. الغريب أن هذا يمكن أن ينجر بتبعاته على الكبار. حيث يمكن الآن لمن قضى طفولته في بيئة محافظة بداخل الغرف المغلقة بعيد عن الشمس والهواء الطلق، يمكنه أن يعيد تجديد حياته بالكامل، يمكن أن يصحح الخطأ ويعرض نفسه للشمس والهواء الطلق بشكل يومي أو شبه يومي. فسوف تساعده الشمس في الحصول على فوائدها وتعطيه فيتامينها الهام والنادر. وسوف تتحسن صحتهم البدنية والنفسية، وتصبح معنوياتهم وسلوكهم الاجتماعي في أفضل حالاتها. كما وأن ذرات التراب التي تحمل أصناف شتى من الميكروبات ستعيد تشكيل بل وبناء جهازه المناعي من جديد. لذا فليبدأ الآن من لم يبدأ من قبل، فلنتصالح مع الشارع أو بالأحرى؛ الطبيعة.
     بالطبع هذه ليست دعوة لكي تقضي حياتك في الشارع ولكنها دعوة للمصالحة مع الطبيعة وتلحق بقطارها. هي دعوة للوصال مع الطبيعة حيث الكثير من الفوائد بلا ثمن.

هناك 12 تعليقًا:

  1. ما شاء الله مشكووووور على هذه المعلومات

    ردحذف
  2. كم أستمتع وانا أقرأ لأخى العزيز الأستاذ الدكتور وسام اسماعيل... فلقد اعتاد ان يعبر بنا حدود التعقيد الى رحابة التيسير ويغلف كلماته بمذاق المتعة ...دمت فذا عبقرياً

    ردحذف
    الردود
    1. دائما يقطر لسانكم بالشهد كاخلاقكم. اكرم الله وبارك فيكم ومتعنا بعلمكم

      حذف
  3. مقال رائع ولكن كما أشرت حضرتك لمصطلح اطفال الشوارع في مجتمعنا يشير للأطفال الغير اسوياء اجتماعيا أو صحيا فالمقصود من المقال الأطفال الأكثر احتكاك بالطبيعه مثل اطفال الريف وبعض اطفال الحضر الذين مازالو يتوارثون العادات القديمه في اللهو وقضاء وقت اطول خارج المنزل هذه مجرد اشاره فقط ولكن المقال رائع من حيث المضمون والمعلومات العلميه مزيد من التوفيق

    ردحذف
    الردود
    1. جزاك الله خيراً عل القراءة والاهتمام

      حذف
  4. مقال رائع ولكن كما أشرت حضرتك لمصطلح اطفال الشوارع في مجتمعنا يشير للأطفال الغير اسوياء اجتماعيا أو صحيا فالمقصود من المقال الأطفال الأكثر احتكاك بالطبيعه مثل اطفال الريف وبعض اطفال الحضر الذين مازالو يتوارثون العادات القديمه في اللهو وقضاء وقت اطول خارج المنزل هذه مجرد اشاره فقط ولكن المقال رائع من حيث المضمون والمعلومات العلميه مزيد من التوفيق

    ردحذف
    الردود
    1. نعم هذا هو المقصود. نثمن رايكم ونعتز بمروركم... جزاكم الله خيرا

      حذف
  5. بارك الله فيك يا دكتور ونفعنا بعلمك ودائما في إبداع وتميز

    ردحذف
  6. بارك الله لكم فى علمكم موضوع شيق ومهم جزاكم الله خيرا

    ردحذف
  7. جزاكم الله خيرا وبارك فيكم

    ردحذف