ذكاء طفلك بين الوراثة والبيئة
على الرغم من النفي
الدائم لغباء أطفالنا؛ ونعتهم بالأذكياء، والتباهي بفطنتهم، فانعكاس أمانينا تظهر
بتصرفاتنا وأحاديثنا عنهم. فهل ذكاء أبنائنا أو العكس له ارتباط بجيناتنا وما
ورثوه عنا، أم مرتبط ببيئتنا ومعاملاتنا؟ سؤال حير جميع الآباء والأمهات.
لم يتوان العلماء - كدأبهم - عن البحث على الإجابة لهذه المعضلة، وخلصوا الي أن الفروق بين الناس في اختبارات الذكاء هي في أساسها نتيجة
للفروق الجينيّة. ولمزيد من التوضيح، فإن مٌعدّل الفروق يكون بين مجموعات
البشر وليس بين الأفراد (بين الأمريكيين مثلا والكوريين والهنود ... وهكذ)، فلربما
يحيد ذكاء أيّ شخص عن مسار إمكاناته الجينيّة بسبب مرض ما في مرحلة الطفولة مثلاً.
ونعني بالوراثة الصفات التي
تنتقل من جيل إلى جيل عن طريق الحمض النوويّ (DNA)، مع ملاحظة أن الناس جميعًا تشترك في 99.5% من مكونات الحمض النوويّ التي نمتلكها
(ثلاثة مليارات من الأزواج)، وهذا يعني أنّ 15 مليونًا فقط من فروق الحمض النوويّ هي
التي تميّز بيننا جينيًّا. مع الأخذ في الاعتبار أنّ اختبارات الذكاء تشمل فحوصات
متنوّعة للقدرات والمهارات الإدراكيّة المكتسَبة في المدرسة؛ فالذكاء، ويُفضل
تسميته بالقدرة الإدراكيّة، يعكس أداء شخص ما من خلال مجموعة كبيرة من الاختبارات
المتنوّعة.
![]() |
| DNA |
مما لا شك فيه، أنّ الجينات تُحدِث فرقًا جوهريًّا، لكنّها ليست كلّ القصّة،
إنّها تفسّر نصف جملة الفروق في الذكاء بين الناس. أما النصف الثاني لا تتسبّب فيه
الفروق الجينيّة. ممّا يعكس أهمية العوامل البيئية
والتنشئة. وتعكس نسب الـ 50% نتائج الدراسات المزدوجة لكل من التبنّي Adoption)) والحمض النوويّ. وعن طريق هذه
الدراسات، تأكد أنّ الأطفال الذين يقع تبنّيهم منذ الولادة بعيدًا عن آبائهم
الأصليين، يكونون فيما بعد مماثلين تقريبًا لآبائهم البيولوجيّين، شأنهم شأن
الأطفال الذين يربيهم آباؤهم البيولوجيّون. وعلى هذا، انتهى العلماء إلى أنّ
الآباء المتبنّين وأبناءهم بالتبنّي لا يشبه بعضهم بعضًا في الذكاء.
![]() |
| الجين (الموروث) |
عكف الباحثين طويلًا علي تقصى وتحديد الجينات التي تُسْهم في الذكاء، تأكدوا أخيراً وفي
السنين القليلة الماضية، أنّ الكثير، وربّما الآلاف من الجينات ذات التأثير الضعيف
مسؤولة عن الذكاء. وقد توصّلت دراسات حديثة أُجريت على مئات الآلاف من الأشخاص،
إلى التعرّف على الجينات المسؤولة عن تفسير حوالي 5 % فقط من فروق الذكاء بين
الناس. إنّها بداية طيّبة، لكن الطريق لا يزال طويلاً لبلوغ نسبة الـ 50%.
![]() |
| الذكاء ... بين الوراثة والبيئة |
ثمّة نتيجة أخرى مهمّة بشكل خاص، هي
أنّ التأثير الجينيّ على الذكاء الذي تم قياسه، يزداد مع
مرور الزمن بحوالي 20 % في مرحلة الرضاعة، إلى 40 % في مرحلة الطفولة، فـ60
% في سنّ الرشد. ولعلّ التفسير الممكن هُنا أنّ الأطفال يبحثون عن تجارب ترتبط
وتنمو مع نزعاتهم الجينيّة.
ويتسنّى لنا أن نبرهن على جدوى التنبّؤ بالقوّة الإدراكيّة الكامنة من خلال الحمض النوويّ.
إذ باستطاعة العلماء أن يستخدموا الحمض النوويّ في محاولة رسم السبل المتطوّرة
التي تربط بين كلٍّ من الجينات والذكاء والدماغ والعقل. وبناءً على النتائج
العملية، فقد توصل العلماء الي ما يناهز المئات من الاضطرابات أحاديّة الجين
النادرة والاضطرابات الكروموسوميّة، مثل متلازمة داون
التي تظهر كإعاقة ذهنيّة. ويمكن لاكتشاف جينات إضافيّة قد تسهم في حدوث
الإعاقة الذهنيّة، أن يُساعد على منع تلك التحدّيات الإدراكيّة، أو على الأقلّ في
التخفيف من وطأتها.
أخيراً، يرث الأطفال نصف
قدراتهم الإدراكية العامة من أهليهم - آباءهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم -
ويكتسبون النصف الآخر من بيئتهم ومعاملاتهم وتنمية قدراتهم، فروق القدرات
الإدراكية بين الأفراد محدودة، ويمكن التغلب عليها بإتباع سبل غير تقليدية لتنمية
تلك القدرات.










0 comments:
إرسال تعليق