الخميس، 15 نوفمبر 2018

هل تضمن الثلاجة حفظاً مطلقًا للغِذاء؟!


هل تضمن الثلاجة حفظاً مطلقًا للغِذاء؟!
هل تضمن الثلاجة حفظاً مطلقًا للغِذاء؟!
أستاذ علوم الأغذية
       حاول الإنسان على مر العصور حفظ غذائه وقت الرخاء لوقت الشدة، ولقد أشار القرآن الكريم الى حفظ الغذاء في قوله تعالى (قال تزرعون سَبع سنين دأبًا فما حصدتم فَذَروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون) يوسف 47، ومع تقدم العلوم تعددت وتنوعت سُبل حفظ الغذاء، واستخدمت الحرارة المرتفعة للتجفيف والمنخفضة للتبريد والتجميد، فمن منا لم يتناول غذاءً مبردًا أو مجمدًا؟!، لقد أصبحت الأغذية المبردة والمجمدة من مفردات حياتنا اليومية، حيث يتم تجميد أكثر من 10% من إجمالي الأغذية في مرحلة من مراحل إنتاجها.

الثلاجة وحفظ الأغذية
أصبحت تكنولوجيا التبريد والتجميد من أبسط وأرخص وأكفأ طرائق الحفظ حيث تعتنى بالغذاء وتحافظ على جودته وطاقته، مما أسهم في انتشارها حول العالم، فلا يكاد يخلو منها بيت أو شارع أو محلات الأغذية ومصانعها، كما اعتلت صهوة وسائل النقل والشاحنات ولعبت دوراً مهما في استيراد وتصدير الاغذية.                

توفر الأغذية بيئة مثالية لنمو الكائنات الحية الدقيقة، وبرغم ذلك فإنها لا تسلم من أضرار هذه الكائنات، لذا فإن الأغذية تعتبر وسيلة جيدة لنقل الميكروبات الضارة والممرضة، ولكن حفظها في جو مبرد يحد من نمو ونشاط وتكاثر تلك الكائنات لذا فجو الثلاجة آمن لحفظ الغذاء، هكذا يظن الكثير! وهم محقون فيما ذهبوا اليه؛ فدرجات الحرارة المنخفضة (أقل من 15 درجة مئوية) كفيلة بالحد من عمليات التمثيل الغذائي والنشاط الحيوي للميكروبات مما يُخمد جزوة نشاطها، وإبطاء نموها وتكاثرها.


الأساس العلمي للحفظ بالحرارة المنخفضة
تقوم فكرة التجميد على أساس تحويل الماء الحر free water ــ الحيوي جدا لحياة الميكروبات ــ إلى ماء مرتبط لا يمكن الاستفادة منة ولا يستطيع أن يؤدى وظيفته الحيوية المتمثلة في نقل العناصر الغذائية لداخل الخلية الميكروبية وحمل الفضلات لخارجها، كما أنه وسط تفاعلي هام بالخلية، علاوة على ما يسببه من تهتك للأغشية الخلوية نتيجة تمزقها بالبلورات الثلجية الناتجة عن تجمد سوائل الخلية مما يُحدث موت فسيولوجي للميكروبات.
ولكي تكتمل الصورة وضوحا فإن هناك أنواعًا ميكروبية تستطيع النمو والنشاط والتكاثر تحت هذه الظروف بالغة الصعوبة تعرف بالميكروبات المحبة للبرودة (Psychrophilic)، تسبب تلفا وفسادًا للأغذية، وخطورة على الصحة العامة، وغاية فكرتنا هي إبراز الجانب غير الآمن لحفظ الغذاء بالثلاجة، فالثلاجة لا تبيد كل الميكروبات إبادة مطلقة بل على العكس قد توفر ظروفًا مثالية لنمو وتكاثر أنواع ميكروبية شديدة الخطورة، وبالتالي لا يمكن الاعتماد على الثلاجة في خفض التلوث الميكروبي للأغذية.
شدة البرودة لا تمنع التكاثر:
يحدث الموت الفسيولوجي للميكروبات في جو التجميد كما أسلفنا ويقل جدا النشاط الحيوي في جو التبريد وهذا يحدث في الغالب للأنواع البكتيرية السالبة لصبغ غرامGram-) ) لكن يقل  تأثير التبريد والتجميد جدا على الانواع الموجبة لصبغ غرام Gram+)) والممرضة حيث ينحصر تأثيرها في الحد من نشاطها وتكاثرها  فقط دون أن يميتها  ونسوق بعض الأمثلة لكى يتضح الأمر، فبكتيريا Clostridium botulinum
تنتج سُمًا يسبب التسمم البوتيوليني الذى  يقتل 70% من
بكتيريا Clostridium botulinum
المصابون به،  ( من أخطر أنواع التسمم الغذائي ) وتتمثل أعراضه في  (مغص وقيء  وامساك وصعوبة في حركة العينين وازدواج الرؤية وصعوبة الكلام  وانتفاخ البطن  واحتقان دام في الحلق  وصعوبة التنفس مما يعيق حركة القلب والرئتين، مسببا الوفاة
، ويجدر بالذكر أن الأنواع الخطرة منه يمكن أن تنمو على درجات حرارة اقل من  3.3 درجة مئوية إذا تلوثت بها الأغذية، لذا يجب أن تُحفظ اللحوم والأسماك على أقل من هذه الدرجة بكثير ، كما أن النوع E منها يفضل  4 مئوية للنمو والتكاثر، الاكثر من ذلك قد تلجأ هذه الانواع لتحيط نفسها بدرع واقٍ يحميها من المؤثرات الخارجية على هيئه كبسولة تسمى "جرثومة" تظل حية بداخلها  لعدة عقود .
بكتيريا Salmonella typhimurium
أما البكتيريا المسببة لحمى التيفويد  enterica serotype Typhi    Salmonella تبقى حية
مدة قد تصل إلى 28 شهراً في اللبن المثلج، كذلك بكتيريا Staphylococcus aureus المسببة للتسمم العنقودي – أعراضه: غثيان، قيء، مغص، اضطرابات هضمية التهاب الأغشية المبطنة للقناة الهضمية، إعياء عام ــ لها مدى حراري يتراوح ب ين6.7 ـــ 44 درجة مئوية وتكمن خطورة هذه البكتيريا أنها لا تسبب روائح كريهة في الأغذية مما يصعب اكتشافها بالرائحة أو التذوق
بكتيريا Staphylococcus aureus  
إلا بالفحص البكتريولوجي الدقيق.
وفى هذا المقام لابد أن نذكر  بكتيريا Listeria monocytogenes   أو الليستريا المستوحدة التي تسبب مرض Listeriosis   ذو الأعراض الخطرة ( حمى شوكية  ، إجهاض للحوامل في الثلاثة أشهر الأولى من الحمل) ،علاوة على ظهور خراريج على الأيدي والأرجل، وتبلغ نسبة الوفيات فيه 35% معظمهم من الاطفال والحوامل وكبار السن هذه البكتيريا تستطيع  مضاعفة أعدادها كل 29ــ  - 45 ساعة عند درجة حرارة 4 مئوية لكن عند حرارة 13°م تنتج جيل كل 11ساعة ، وهذه البكتريا تقاوم التجميد  عند -18 مئوية في الآيس كريم لمدة شهر، ولقد ظهرت أول حالة  تفشى للمرض عام 1981 نتيجة تناول خضراوات ملوثة ، وتكررت الثانية بعد عامان  نتيجة تناول لبن مبستر ملوث بالميكروب .
وبكتيرياBacillus cereus   تتحمل درجات الحرارة المنخفضة (8 درجة مئوية) وتبقى حية لمدة طويلة، وكذلك بكتيريا Yersinia enterocolitica  تستطيع النمو والتكاثر على درجة حرارة 2° م، وهناك من الفيروسات ما تنعم بجو الثلاجة مثل فيروس H5N1 الذي لا تؤُثر عليه درجات التجميد عند 4 درجة تحت الصفر، مما يجعل حفظ الدجاج المصاب بأنفلونزا الطيور بطريقة التجميد مغامرة غير مأمونة الجانب.
كما ان هناك فيلق من الفطريات المحبة للبرودة لها المقدرة على النمو الجيد في جو التبريد والتجميد ومعظمها مُتلفة للغذاء ومدى نموها الحراري من 0 الى 15°م.
مثال آخر بكتيريا Aeromonas hydrophila هذه البكتيريا تسيب التهاب المعدة والأمعاء، غالباً في الأطفال الصغار والأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الجهاز المناعي أو مشاكل النمو. ترتبط هذه البكتيريا بنوعين من الالتهاب المعدي المعوي. النوع الأول هو مرض شبيه بالكوليرا، والذي يسبب الإسهال. النوع الآخر يتسبب في التهاب القولون فيصبح البراز رخو ممتلئ بالدم والمخاط.، وأحياناً يُسبب التهاب الأنسجة الرخوة. كما أنه يسبب أمراض مثل نخر العضل والاكزيما في الأشخاص الذين يعانون من أمراض المناعة. هذا الميكروب يرتبط وجوده بالأسماك والحوم والدواجن والألبان والخضروات الملوثة به أو حتى الثلاجات الحاملة له. وخطورة هذه البكتريا كونها محبه للبرودة أي أنها قادرة على النمو والتكاثر في جو الثلاجة حتى درجة 0.1 درجة مئوية بكفاءة عالية.
اللحوم المجمدة.. أمان أقل:

اللحوم خاصة المفرومة معرضة للتلوث  (من 50 إلى 60 ضعف) غير المفرومة ، وذلك نظراً لتوزيع مسببات التلوث على كل الأجزاء مع انتشار سوائل اللحم الغنية في أحماضها الأمينية وباقي مكوناتها الضرورية لمسببات الفساد من البكتريا والفطريات وهناك دراسة تمت في بريطانيا اثبتت أن 50% من اللحوم المفرومة ملوثة ببكتيريا Clostridium perfringens ، كما أثبتت الدراسة ان 5% فقط من البكتيريا الموجودة في اللحم يُقضى عليها بالتجميد خلال شهر من الحفظ وذلك عند سالب°20 م، كما أن ارتفاع درجة حرارة تجميد اللحوم (من5° إلى 10°م) يسمح بنمو بكتيريا وفطريات تظهر في صورة بقع ملونة  وربما تكون خالية من الروائح، وللعلم فان تلوث اللحوم قبل التجميد يسبب فساداً بطيئاَ أثناء التجميد حيث انه حتى لو لم تنمو مسببات الفساد وتم تدمير خلاياها بالتجميد فإن ما بها من إنزيمات محللة تنطلق الى الخارج ، وهناك من تملك أنظمة إنزيمية يستمر عملها ونشاطها حتى 30°م تحت الصفر، واذا عوملت اللحوم بالنيتريت او النترات فإن هناك بكتريا Micrococci   التي تُعد أهم عوامل الفساد تحت هذه الظروف ، لمقدرتها العالية على النمو في رطوبة محدودة ومقاومتها للتأثير الأيوني للأملاح.


 نظافة الغذاء والثلاجة = الأمان:
       لنتيقن جميعًا أن التبريد والتجميد ما هو إلا وسيلة لإطالة مدة حفظ الغذاء الطازج عن طريق تثبيط أو تدمير بعض الكائنات الحية الدقيقة وإيقاف الأنظمة الانزيمية، لكن لا يمكن الاعتماد عليها في خفض التلوث الميكروبي في الأغذية. وتبقى  نظافة الغذاء والعناية بجودته الميكروبية ثم حفظه بالثلاجة وسيلة آمنة دون أدنى شك ، أما في حالة الأغذية غير الطازجة فمعاملتها حراريا كالبسترة أو الغليان يضمن سلامتها فمثلا ميكروب St. auerus    و Listeria monocytogenes   وكذلك معظم البكتريا الممرضة غير المتجرثمة يمكن القضاء عليها بالتسخين على حرارة 72 مئوية لمدة 10 دقائق  وبالتالي فإن المعاملة الحرارية العالية تكفل حماية الأغذية وتصبح آمنة إذا ما حفظت بالثلاجة وكذلك فإنه يجب العناية بنظافة وتطهير الآلات المُستخدمة في تجهز الغذاء مثل مفارم اللحم والسكاكين وكل ما يعامل به الغذاء قبل الحفظ، أما جسم الثلاجة الداخلي فالعناية به ضرورة وليست رفاهية فتطهيرها بمطهر آمن  من آن لآخر  وسيلة تحد بشدة من انتشار الميكروبات بجو  الثلاجة، أيضاً يجب ألا يحفظ الغذاء المعلب في الثلاجة أكثر من أسبوع  بعد فتح العبوة، ولا يجب بأي حال من الأحوال صهر الاغذية المجمدة وإعادة  تجميدها، حيث تزداد الأعداد البكتيرية والفطرية بدرجة هائلة أثناء الصهر أو التسييح وارتفاع درجة حرارتها  بسبب انفراد سوائل الأغذية، ويصاحب ذلك فقد قيمة غذائية كبيرة  وكذلك خطراً مُؤَكداً على الصحة. لم أقصد بث الخوف في قلوب القراء لكن وجب التذكير، فالصحة أهم ما يملك الإنسان

وأقرأ أيضاً

كيف نحافظ على لحوم الأضاحي؟

هناك 4 تعليقات:

  1. ما اجمل العلم حين تتكامل حلقاته ويكون هناك عرص مبسط لنطم التخزين الآمنة لوقود الحياة

    ردحذف
    الردود
    1. نشكر لسعادتكم المتابعة والتعليق .. نتمنى ان ينفع الله به الجميع

      حذف
  2. مقال مفيد وممتع حقا زادكم الله علما استاذنا الخلوق

    ردحذف
    الردود
    1. من طيب أخلاقكم ورقى كلماتكم ونبل طبعكم ... شكرا د. مجدى بك المتابعة والتعليق

      حذف