الدهون الحيوانية ...جدل يتجدد وفوائد مُهملة
أُستاذ علوم الأغذية
تحتل الدهون (الشحوم)
الحيوانية كغذاء مكاناً مرموقاً من الجدل، تنحرف دفة السجال تجاه الضرر، فكونها
غنية بالأحماض الدهنية المشبعة، يُضعف موقفها ويجعل تبرئتها أمراً صعبا، ويصرف
المدافعين عنها في ساحات العلم وردهات المعامل، لكن المدققين الواثقين لديهم
البرهان الصادق ودليل البراءة الدامغ، فهو دليل رباني لا يمكن تغافله والذي جاء في
قوله تعالى "وَعَلَى الَّذِينَ
هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا
عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا
أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جزيناهم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ”. (الأنعام: 146)، فالتحريم
دائماً يترافق مع الخبائث والحِلُ يترافق مع الطيبات، كما في قوله تعالى "وَيُحِلُّ
لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ" (من الآية 157:
الأعراف)، فتحريم شحوم البقر والغنم أتى عقاباً، وعقاب الحرمان لا يكون إلا لطِيب
الشيء ولذاذته.
ما هي الدهون الحيوانية؟
عندما نفكر في توهج الجلد ونضارته أو
الوقاية من بعض الأمراض، فلا يتبادر إلى أذهاننا أبداً أن دهون الأبقار والماشية والأغنام
والمُسماة بالشحوم Tallow
ذات صلة بذلك.
وعادة ما يُشار إلى شحوم الأبقار والأغنام باعتبارها
"دهوناً قديمة الطراز" فقد كانت الدهون الأساسية المستخدمة في الطهي
والقلي، وذلك بفضل نقطة تحملها للحرارة المرتفعة بشكل مُميز.
ومع ذلك، تم استبدالها بالزيوت النباتية المكررة (مثل
زيت الكانولا وبذرة القطن والصويا)، عندما ادعت دراسات غير مكتملة أن تناول الدهون
الحيوانية لها ارتباط مباشر بأمراض القلب. برغم أن الأدلة على ذلك غير قاطعة، ومعايير
القياس غير دقيقة، فتجارب التغذية في هذا الصدد يصعب الجزم بنتائجها؛ فغالبيتها
تمت على حيوانات التجارب التي تختلف عن البشر في معدل إضافة الدهون المُشبعة
والكولسترول للوجبات وكذلك تختلف في التمثيل ومعدل الامتصاص.
التركيب الكيميائي:
التركيب الكيميائي:
كأي
دهن حيواني، فإن الشحم الحيواني Tallow يشبه خليط من" زيت جوز الهند والزبد" لكن ليس
نباتي بل حيواني المصدر، ما عدا لحم الخنزير فدهن أو شحم الخنزير يسمى Lard لذا فإن
الشحم الحيواني يُقصد به الدهن المُختلط بلحم البقر أو الجاموس أو الأغنام.
يحتوي
الشحم أو الدهن الحيواني على 50% أحماض دهنية أحادية عديمة التشبع -المفيدة للصحة-
عبارة عن 47% حمض اوليك (C18-1, ω-9) و3%
حمض بالميتواوليك. و42% أحماض دهنية مُشبعة - يُقال إنها ضارة - عبارة عن 26% حمض
البالمتيك و14% حمض استيارك، و3 % حمض ميريستيك. و4% أحماض دهنية عديدة عدم التشبع
عبارة عن 3%حمض لينوليك و1% حمض لينولينك (نافعة جداً). كما أن كل مئة جرام دهن تحوي
109 ملليجرام كولسترول و0.2 عنصر السيلينيوم، أي أن نسبة الكولسترول في الدهن الحيواني 0.1
%
يُصنع Tallow من شحم الماشية (المُنصهر) الذي يكون مُتصلب في صورة طبقات
دهنية بيضاء عادةً أو تميل إلى الاصفرار، والتي تحيط بالأعضاء الداخلية للحيوان
مثل الكُلي وحول خاصرة الحيوان.
الفوائد الصحية للشحم الحيواني
صحة القلب والأوعية الدموية
كما سبق
واستعرضنا، فإن الشحوم الحيوانية اتهمت خطأً بعلاقتها الوطيدة بأمراض القلب، حيث
كانت الدراسات التي تمت على الدهون المُشبعة وأمراض القلب متحيزة لحد كبير، لكن
حالياً هناك دراسات تؤكد أن تناول الدهون غير المشبعة لها علاقة بالالتهاب المزمن
الشامل (الجهازي) الذي يًسبب مرض القلب والأوعية الدموية كنتيجة للإجهاد المزمن وكذلك عند الاستمرار على نظام غذائي غنى بالسكر المُكرر
والدهون المحولة Trans-fats.
هناك دراسة حديثة تؤكد أن الاستهلاك المزمن للزيوت النباتية الساخنة يؤدي إلى اضطرابات في المواد التنظيمية
الوعائية الداخلية مثل أكسيد النيتريك حيث تشجع الأكسدة الحرارية لزيوت الطبخ توليد
الشوارد الحرة التي قد تلعب دوراً هاماً في الإسهام في فرط ضغط الدم في فئران
التجارب.
أظهر
التحليل الإحصائي للدراسات الوبائية أنه لا يوجد دليل قاطع على أن الدهون المشبعة
بالنظام الغذائي مرتبطة بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب الوعائية. بل هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات الاستقصائية لتوضيح مدى ارتباطها
بذلك، مع تداخل عامل السكريات المكررة في هذا الشأن.
الدهون
عالية التشبع الموجودة في الشحوم الحيوانية تجعلها دهون مثالية للطهي؛ حيث أنها
مقاومة للحرارة العالية، أي ثابتة بسبب درجة تدخينها العالية تصل إلى 420 °ف (215
درجة مئوية) فمثلا درجة تدخين زيت جوز الهند (35°ف، ودرجة تدخين الزبد 250°ف
(177م)، عكس الدهون عديدة عدم التشبع ضعيفة المقاومة للحرارة وبالتالي غير ثابتة
مما يُسرع تأكسدها عندما تتعرض للحرارة وتتكون فيها الشوارد الحرة. هذه الشوارد
الحرة تدمر خلايانا وتسبب التهابات مزمنة التي تُؤدى إلى العديد من الالتهابات في
الجسم، وبالطبع ينتهي الأمر إلى أمراض القلب والأوعية الدموية، وربما تكون الشوارد
هذه نواة إلى حدوث أورام.
الشحوم (Tallow) غنية بحمض اللينوليك المرتبط CLA (conjugated linoleic acid) (1%) وهذا الحمض الدهني معروف بحرقة للدهون.
صحة الجلد
1. هل تصدق أم لا؟! الشحم الحيواني هو المصدر الأصلي لجسم زبدي الملمس.
بالطبع لن يكتسب الجلد ذلك بمجرد تناول الدهن لكن لا تنخدع بذلك وجرب مره ومره.
2. لا تغلبك الدهشة
حين تعرف أن أغشية خلايانا تتكون من حوالي 50% أحماض دهنية مشبعة وهي نسبة قريبة
من مستوى الأحماض الدهنية المشبعة فى الشحم الحيواني،
3. الأحماض الدهنية المشبعة
هي وحدات بناء الجلد الصحي، فهي أهم مغذياته وتعمل على إصلاح الجلد وتجديد التالف
منه، ولأن أي غذاء نتناوله يمتص جزء منه في الجلد؛ فان جزء من الشحم الحيواني يُمتص
جزء من مكوناته في الجلد فيُكسبه نعومة وجاذبية. وبالتالي يجدر إضافته في بعض الوصفات،
والأسهل تناوله مباشرة.
تعزيز المناعة
الدهن من المصادر الغنية بمجموعة الفيتامينات التي تذوب
في الدهون وهي فيتامينات A,
K, E, D وهذه
الفيتامينات لها دور هام وضروري حيث أن الجسم لا يستطيع تخليقها بل لابد من دعم الجسم
بها خارجيا سواء غذائياً أو علاجياً.
من الجميل انه يمكن استخدامه كمرطب ومغذى للبشرة الجافة سواء
لليدين أو البشرة عموماً؛ لكن يمكن خلطه
ببعض الزيوت مثل زيت النعناع الفلفلي أو اللافندر
وهنا ننوه أنه يمكن استخدام زيت
الجوجوبا أو زيت الزيتون أو زيت اللوز
بدلاً من الدهن الحيواني؛ لكن إضافة الزيت العطري لهذه الزيوت سيخففها ويجعل استخدامها
صعب لحد ما – نظراً لزيادة سيولتها- لكن استخدام الدهن الحيواني فقط يكفى لكن
لتفادى الرائحة التي يمكن أن تكون غير مستحبة للبعض فيُفضل إضافة الزيوت العطرية
لإكساب البشرة رائحة عطره جاذبة ومرغوبة .
بديل في الأنظمة الكيتونية (عالية الطاقة)
هذا النظام الغذائي غنى بالدهن (مرتفع الطاقة)، منخفض البروتينات
ذات الطاقة المنخفضة (4.2 كيلو كالورى/جرام)؛ الأمر الذي يسمح برفع مستوى الطاقة
والتمثيل الغذائي وانخفاض الدهون كما أسلفنا، بالتالي فإن الشحم الحيواني يشجع
ويساعد في النظام الغذائي الكيتوني لمواجهة الاحتياج اليومي للدهون، وبالتالي يمكن
أن يصبح خيار وبديل عن زيت جوز الهند أو الزبد نظرا لارتفاع سعره. كما استعمل الدهن
الحيواني قديما كمراهم ضد التهاب المفاصل وتقرح الجلد.
وأخيرا يبقى سؤال.. هل لكون الدهون الحيوانية
ذات مصدر حيواني فهي الأنسب لأجسامنا نظرا لدرجة التشابه بينهما؟! ولكن ننوه أن
الإفراط هو أصل الداء وأن الاعتدال عين الدواء ويجب أن يترافق ذلك مع النشاط
البدني الذي يضمن للجسم حيويته في كل الحالات.












