الجمعة، 30 نوفمبر 2018

الدهون الحيوانية ...جدل يتجدد وفوائد مُهملة

الدهون الحيوانية ...جدل يتجدد وفوائد مُهملة

أُستاذ علوم الأغذية


       تحتل الدهون (الشحوم) الحيوانية كغذاء مكاناً مرموقاً من الجدل، تنحرف دفة السجال تجاه الضرر، فكونها غنية بالأحماض الدهنية المشبعة، يُضعف موقفها ويجعل تبرئتها أمراً صعبا، ويصرف المدافعين عنها في ساحات العلم وردهات المعامل، لكن المدققين الواثقين لديهم البرهان الصادق ودليل البراءة الدامغ، فهو دليل رباني لا يمكن تغافله والذي جاء في قوله تعالى "وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جزيناهم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ”. (الأنعام: 146)، فالتحريم دائماً يترافق مع الخبائث والحِلُ يترافق مع الطيبات، كما في قوله تعالى "وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ" (من الآية 157: الأعراف)، فتحريم شحوم البقر والغنم أتى عقاباً، وعقاب الحرمان لا يكون إلا لطِيب الشيء ولذاذته. 

ما هي الدهون الحيوانية؟

       عندما نفكر في توهج الجلد ونضارته أو الوقاية من بعض الأمراض، فلا يتبادر إلى أذهاننا أبداً أن دهون الأبقار والماشية والأغنام والمُسماة بالشحوم Tallow ذات صلة بذلك.

وعادة ما يُشار إلى شحوم الأبقار والأغنام باعتبارها "دهوناً قديمة الطراز" فقد كانت الدهون الأساسية المستخدمة في الطهي والقلي، وذلك بفضل نقطة تحملها للحرارة المرتفعة بشكل مُميز. ومع ذلك، تم استبدالها بالزيوت النباتية المكررة (مثل زيت الكانولا وبذرة القطن والصويا)، عندما ادعت دراسات غير مكتملة أن تناول الدهون الحيوانية لها ارتباط مباشر بأمراض القلب. برغم أن الأدلة على ذلك غير قاطعة، ومعايير القياس غير دقيقة، فتجارب التغذية في هذا الصدد يصعب الجزم بنتائجها؛ فغالبيتها تمت على حيوانات التجارب التي تختلف عن البشر في معدل إضافة الدهون المُشبعة والكولسترول للوجبات وكذلك تختلف في التمثيل ومعدل الامتصاص. 

التركيب الكيميائي:

       كأي دهن حيواني، فإن الشحم الحيواني Tallow يشبه خليط من" زيت جوز الهند والزبد" لكن ليس نباتي بل حيواني المصدر، ما عدا لحم الخنزير فدهن   أو شحم الخنزير يسمى Lard   لذا فإن الشحم الحيواني يُقصد به الدهن المُختلط بلحم البقر أو الجاموس أو الأغنام.

يحتوي الشحم أو الدهن الحيواني على 50% أحماض دهنية أحادية عديمة التشبع -المفيدة للصحة- عبارة عن 47% حمض اوليك (C18-1, ω-9) و3% حمض بالميتواوليك. و42% أحماض دهنية مُشبعة - يُقال إنها ضارة - عبارة عن 26% حمض البالمتيك و14% حمض استيارك، و3 % حمض ميريستيك. و4% أحماض دهنية عديدة عدم التشبع عبارة عن 3%حمض لينوليك و1% حمض لينولينك (نافعة جداً). كما أن كل مئة جرام دهن تحوي 109 ملليجرام كولسترول و0.2 عنصر السيلينيوم، أي أن نسبة الكولسترول في الدهن الحيواني 0.1 %

يُصنع Tallow من شحم الماشية (المُنصهر) الذي يكون مُتصلب في صورة طبقات دهنية بيضاء عادةً أو تميل إلى الاصفرار، والتي تحيط بالأعضاء الداخلية للحيوان مثل الكُلي وحول خاصرة الحيوان.
الفوائد الصحية للشحم الحيواني

صحة القلب والأوعية الدموية

كما سبق واستعرضنا، فإن الشحوم الحيوانية اتهمت خطأً بعلاقتها الوطيدة بأمراض القلب، حيث كانت الدراسات التي تمت على الدهون المُشبعة وأمراض القلب متحيزة لحد كبير، لكن حالياً هناك دراسات تؤكد أن تناول الدهون غير المشبعة لها علاقة بالالتهاب المزمن الشامل (الجهازي) الذي يًسبب مرض القلب والأوعية الدموية كنتيجة للإجهاد المزمن وكذلك عند الاستمرار على نظام غذائي غنى بالسكر المُكرر والدهون المحولة Trans-fats.

هناك دراسة حديثة تؤكد أن الاستهلاك المزمن للزيوت النباتية الساخنة يؤدي إلى اضطرابات في المواد التنظيمية الوعائية الداخلية مثل أكسيد النيتريك حيث تشجع الأكسدة الحرارية لزيوت الطبخ توليد الشوارد الحرة التي قد تلعب دوراً هاماً في الإسهام في فرط ضغط الدم في فئران التجارب.
    أظهر التحليل الإحصائي للدراسات الوبائية أنه لا يوجد دليل قاطع على أن الدهون المشبعة بالنظام الغذائي مرتبطة بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب الوعائية.  بل هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات الاستقصائية لتوضيح مدى ارتباطها بذلك، مع تداخل عامل السكريات المكررة في هذا الشأن.
     الدهون عالية التشبع الموجودة في الشحوم الحيوانية تجعلها دهون مثالية للطهي؛ حيث أنها مقاومة للحرارة العالية، أي ثابتة بسبب درجة تدخينها العالية تصل إلى 420 °ف (215 درجة مئوية) فمثلا درجة تدخين زيت جوز الهند (35°ف، ودرجة تدخين الزبد 250°ف (177م)، عكس الدهون عديدة عدم التشبع ضعيفة المقاومة للحرارة وبالتالي غير ثابتة مما يُسرع تأكسدها عندما تتعرض للحرارة وتتكون فيها الشوارد الحرة. هذه الشوارد الحرة تدمر خلايانا وتسبب التهابات مزمنة التي تُؤدى إلى العديد من الالتهابات في الجسم، وبالطبع ينتهي الأمر إلى أمراض القلب والأوعية الدموية، وربما تكون الشوارد هذه نواة إلى حدوث أورام.


  فقد الدهون

الشحوم (Tallow) غنية بحمض اللينوليك المرتبط CLA (conjugated linoleic acid) (1%) وهذا الحمض الدهني معروف بحرقة للدهون.

صحة الجلد

1.   هل تصدق أم لا؟!  الشحم الحيواني هو المصدر الأصلي لجسم زبدي الملمس. بالطبع لن يكتسب الجلد ذلك بمجرد تناول الدهن لكن لا تنخدع بذلك وجرب مره ومره.

2.   لا تغلبك الدهشة حين تعرف أن أغشية خلايانا تتكون من حوالي 50% أحماض دهنية مشبعة وهي نسبة قريبة من مستوى الأحماض الدهنية المشبعة فى الشحم الحيواني،

3.   الأحماض الدهنية المشبعة هي وحدات بناء الجلد الصحي، فهي أهم مغذياته وتعمل على إصلاح الجلد وتجديد التالف منه، ولأن أي غذاء نتناوله يمتص جزء منه في الجلد؛ فان جزء من الشحم الحيواني يُمتص جزء من مكوناته في الجلد فيُكسبه نعومة وجاذبية. وبالتالي يجدر إضافته في بعض الوصفات، والأسهل تناوله مباشرة.


تعزيز المناعة

الدهن من المصادر الغنية بمجموعة الفيتامينات التي تذوب في الدهون وهي فيتامينات A, K, E, D وهذه الفيتامينات لها دور هام وضروري حيث أن الجسم لا يستطيع تخليقها بل لابد من دعم الجسم بها خارجيا سواء غذائياً أو علاجياً.

من الجميل انه يمكن استخدامه كمرطب ومغذى للبشرة الجافة سواء لليدين أو البشرة عموماً؛ لكن  يمكن خلطه ببعض الزيوت مثل  زيت النعناع الفلفلي  أو اللافندر  وهنا ننوه أنه يمكن استخدام  زيت الجوجوبا أو زيت الزيتون أو  زيت اللوز بدلاً من الدهن الحيواني؛ لكن إضافة الزيت العطري لهذه الزيوت سيخففها ويجعل استخدامها صعب لحد ما – نظراً لزيادة سيولتها- لكن استخدام الدهن الحيواني فقط يكفى لكن لتفادى الرائحة التي يمكن أن تكون غير مستحبة للبعض فيُفضل إضافة الزيوت العطرية لإكساب البشرة رائحة عطره جاذبة ومرغوبة .

بديل في الأنظمة الكيتونية (عالية الطاقة)

هذا النظام الغذائي غنى بالدهن (مرتفع الطاقة)، منخفض البروتينات ذات الطاقة المنخفضة (4.2 كيلو كالورى/جرام)؛ الأمر الذي يسمح برفع مستوى الطاقة والتمثيل الغذائي وانخفاض الدهون كما أسلفنا، بالتالي فإن الشحم الحيواني يشجع ويساعد في النظام الغذائي الكيتوني لمواجهة الاحتياج اليومي للدهون، وبالتالي يمكن أن يصبح خيار وبديل عن زيت جوز الهند أو الزبد نظرا لارتفاع سعره. كما استعمل الدهن الحيواني قديما كمراهم ضد التهاب المفاصل وتقرح الجلد.


وأخيرا يبقى سؤال.. هل لكون الدهون الحيوانية ذات مصدر حيواني فهي الأنسب لأجسامنا نظرا لدرجة التشابه بينهما؟! ولكن ننوه أن الإفراط هو أصل الداء وأن الاعتدال عين الدواء ويجب أن يترافق ذلك مع النشاط البدني الذي يضمن للجسم حيويته في كل الحالات.

وأقرأ أيضاً

   كيف نحافظ على لحوم الأضاحي؟

الجمعة، 23 نوفمبر 2018

من الخاسر إذا تمرد الأبناء؟

من الخاسر إذا تمرد الأبناء؟
من الخاسر إذا تمرد الأبناء؟
ليسانس الدراسات الإسلامية والعربية – جامعة الأزهر
حديثنا عن ظاهرة تمرد الأبناء. هذه الظاهرة التي تشغل المجتمع بأكمله، خاصة المهتمين بالجانب النفسي والاجتماعي، لما له من آثار سلبية بالغة على الفرد ومن ثم المجتمع، وما ينجم عن ذلك من تبعات خطيرة على الأمم. لذلك علينا جميعا أن ننتبه لهذا السلوك، الذي قد يدمر المجتمع عن طريق تدمير بنيته الأساسية، وهي الأسرة.
أكثر ما يقلق الأسر هو الاطمئنان على أولادهم، فهم البذرة التي زرعوها ويتمنوا أن يروا نتاجها في أفضل وأحسن حال. وبالرغم من وجود بعض السلوكيات من الأبناء التي تغضب الوالدين، إلا أن الآباء والأمهات هم دوماً الحارس الأمين الذي يرعى أبناءه على الرغم من الألم والتعب. 
أثبتت كثير من الدراسات أن الأطفال الذين يعانون من مشاكل سلوكية، يكون مرجعها إلى مشكلة التمرد وعصيان الوالدين. بداية، التمرد هو سلوك يطرأ على الأبناء لا يستجيبون فيه إلى كلام أباءهم. ومن الأهمية بمكان أن نعرف الوقت الذي يبدأ الطفل فيه بالتمرد، حتى نكون على استعداد بمعرفة نفسية الطفل وكيفية التعامل معه في تلك المرحلة. يبدأ التمرد عندما يصبح الطفل قادرا على التحرك والكلام، تراه عاجزا عن فعل كثير من الأشياء ويرفض تدخل امه وأبوه، ولا يوجد في قاموسه اللغوي إلا كلمة واحدة "لا" هذه الكلمة العجيبة، التي لا أحد يعرف من أين اكتسبها؟ وهو في هذا السن المبكر، تراه يرفض كل الأشياء، ويريد اكتشاف العالم من حوله.
بالنظر في سلوك الطفل الرافض لجميع التوجيهات، يتبين أن الطفل يعتمد على نفسه ليكتشف عالمه الصغير، لكن هذا لا يمنع من المراقبة والتوجيه لأن الطفل في هذا السن الصغيرة قد يؤذي نفسه دون أن يشعر؛ فلابد من الاحتراز من ترك الطفل يكتشف عالمه بمفرده وفي ذات الوقت لا نلغي شخصيته، فإخضاع الطفل باستمرار للأوامر وإلزامه بتنفيذها يحدث طمس لشخصيته. لذلك فموازنة الأمور معادلة صعبة على الأهل.


في المقابل إذا استمر الأهل في اللامبالاة وعدم الاهتمام؛ سينشأ الطفل علي قواعده الخاصة التي صنعها لنفسه، وقد تكون من الأساس قواعد خاطئة، فمرحلة الطفولة ما هي إلا تمهيدا لما هو آت.
هناك مرحلة ما قبل المراهقة وتكون من سن الثامنة إلى الثانية عشر، هذه المرحلة تكون وسطية بين مرحلة الطفولة ومرحلة المراهقة. يقوم فيها الأطفال بتقليد آباءهم أو من هم أكبر منهم سناً. تجده يوافق على الأمور التي تطلب منه، ويلتزم بالقواعد التي وضعتها الأسرة دون اعتراض. هذه المرحلة يتطور فيها عقل الطفل، ويدرك الأمور من حوله، لذلك على الأهل الحوار الدائم معه وإعطائه مساحة من الحرية، وكذلك عدم تكليفه بأمور يصعب إنجازها.
 المدرسة لها دور بارز وأساسي في هذه المرحلة، فهي تعتبر طرفا في تشكيل شخصية الأطفال، باعتبارها الجهة الأكثر وعيا وثقافة وقدرة على مواجهة هذا السلوكيات، فطريقة التعامل تحدد مدى اندماجهم مع زملاءهم وعدم افتعال المشاكل. وعلى المدرسة أن توجه طاقاتهم في أعمال ومشاريع مفيدة، تخلق لديهم روح التعاون والمسؤولية.
وعلى أية حال، فإن أخطر مرحلة يمر بها الإنسان هي مرحلة المراهقة، تبدأ من سن الثانية عشر، يحدث فيها بعض التغييرات الهرمونية والجسدية؛ ينتج عنها تقلب في المزاج والأحاسيس والانفعالات، فتراه مشتت وحائر، فاقد الثقة بالنفس، لديه خوف وقلق، يسعى لإثبات ذاته وإبراز شخصيته، من هنا يبدأ شكل جديد من التمرد وهو عصيان الأوامر وعدم محبة الأهل والإحساس بالكبت والضغط وأحيانا قد يدخل في حالة من الاكتئاب.
وللطفل المتمرد عدة صفات منها التكبر وعدم قبول الآراء الصحيحة ويأخذ طابع الجدل ولا يقبل الحوار أو المناقشة، كذلك يظهر لديه العناد والاستهتار ولا يقبل النصيحة أو التوجيه.
أسباب التمرد
1.   البعد عن الدين.
2.   محاولة الطفل إثبات نفسه والتأثير على الأخرين.
3.   الغيرة، خاصة عندما يكون هناك أطفال غيره ينعمون بالاهتمام والمحبة.
4.   الشدة في التعامل مع الطفل بما فيها من قسوة وشدة وضرب تتحول عند الطفل إلى كراهية وبُغض.
5.   الإكراه على الأعمال وتقييد حرية الطفل.
6.   الاستهزاء والسخرية والإحباط من الأعمال التي يقوم بها الطفل، وكذلك إطلاق الألقاب المكروهة التي تؤثر على نفسيته.
7.   إهمال الطفل وعدم الاهتمام بتعليمه أو مشاكله.


علاج التمرد
هناك بعض الأمور البسيطة التي تحتاج الأسرة إلى معرفتها حتى تصل بالطفل إلى طريق الأمان وتؤتى ثمرتها المرجوة ويتحول من تمرد سلبي قد يؤذي نفسه ومجتمعه إلى شخصية نافعة ومؤثرة في المجتمع:
·       الاهتمام بالطفل وتشجيعه عند قيامه بتصرفات سليمة.
·       البعد عن الضرب أو الشتم أو التوبيخ عند ارتكاب الخطأ، لكن لابد من اللجوء إلي عقاب يناسب عمر الطفل.
·       مشاركة الطفل في أعمال المنزل لأنها تعطيه إحساس بالمسؤولية كترتيب السرير وتنظيف الغرفة.
·       هدوء الأهل والروية في اتخاذ أي قرار بدون عصبية أو انفعال حتى لا تتزايد المشكلة.
·       إقامة حوار مع الطفل بشكل مستمر لتعرف مشاكله أو طموحاته.
·       تعبير الأهل عن محبتهم لأبنائهم يزيد من الانتماء والثقة بالنفس.
غالبا ما يتمتع الطفل المتمرد بقدر من الذكاء، فيحاول لفت الانتباه إليه، لذلك يجب استغلال هذا الذكاء في توجيهه إلى المسار الصحيح لينفع نفسه ومجتمعه. ويجب التعامل معه باعتباره في حاجة للرعاية والتوجيه، فهذا المرض السلوكي يتطلب دواء ناجعا لعلاجه، وما أسهل أن تجد لهذا الداء دواء. أما في حالة التهاون أو التقصير فحتما سيكون الجميع خاسرا.

الخميس، 15 نوفمبر 2018

هل تضمن الثلاجة حفظاً مطلقًا للغِذاء؟!


هل تضمن الثلاجة حفظاً مطلقًا للغِذاء؟!
هل تضمن الثلاجة حفظاً مطلقًا للغِذاء؟!
أستاذ علوم الأغذية
       حاول الإنسان على مر العصور حفظ غذائه وقت الرخاء لوقت الشدة، ولقد أشار القرآن الكريم الى حفظ الغذاء في قوله تعالى (قال تزرعون سَبع سنين دأبًا فما حصدتم فَذَروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون) يوسف 47، ومع تقدم العلوم تعددت وتنوعت سُبل حفظ الغذاء، واستخدمت الحرارة المرتفعة للتجفيف والمنخفضة للتبريد والتجميد، فمن منا لم يتناول غذاءً مبردًا أو مجمدًا؟!، لقد أصبحت الأغذية المبردة والمجمدة من مفردات حياتنا اليومية، حيث يتم تجميد أكثر من 10% من إجمالي الأغذية في مرحلة من مراحل إنتاجها.

الثلاجة وحفظ الأغذية
أصبحت تكنولوجيا التبريد والتجميد من أبسط وأرخص وأكفأ طرائق الحفظ حيث تعتنى بالغذاء وتحافظ على جودته وطاقته، مما أسهم في انتشارها حول العالم، فلا يكاد يخلو منها بيت أو شارع أو محلات الأغذية ومصانعها، كما اعتلت صهوة وسائل النقل والشاحنات ولعبت دوراً مهما في استيراد وتصدير الاغذية.                

توفر الأغذية بيئة مثالية لنمو الكائنات الحية الدقيقة، وبرغم ذلك فإنها لا تسلم من أضرار هذه الكائنات، لذا فإن الأغذية تعتبر وسيلة جيدة لنقل الميكروبات الضارة والممرضة، ولكن حفظها في جو مبرد يحد من نمو ونشاط وتكاثر تلك الكائنات لذا فجو الثلاجة آمن لحفظ الغذاء، هكذا يظن الكثير! وهم محقون فيما ذهبوا اليه؛ فدرجات الحرارة المنخفضة (أقل من 15 درجة مئوية) كفيلة بالحد من عمليات التمثيل الغذائي والنشاط الحيوي للميكروبات مما يُخمد جزوة نشاطها، وإبطاء نموها وتكاثرها.


الأساس العلمي للحفظ بالحرارة المنخفضة
تقوم فكرة التجميد على أساس تحويل الماء الحر free water ــ الحيوي جدا لحياة الميكروبات ــ إلى ماء مرتبط لا يمكن الاستفادة منة ولا يستطيع أن يؤدى وظيفته الحيوية المتمثلة في نقل العناصر الغذائية لداخل الخلية الميكروبية وحمل الفضلات لخارجها، كما أنه وسط تفاعلي هام بالخلية، علاوة على ما يسببه من تهتك للأغشية الخلوية نتيجة تمزقها بالبلورات الثلجية الناتجة عن تجمد سوائل الخلية مما يُحدث موت فسيولوجي للميكروبات.
ولكي تكتمل الصورة وضوحا فإن هناك أنواعًا ميكروبية تستطيع النمو والنشاط والتكاثر تحت هذه الظروف بالغة الصعوبة تعرف بالميكروبات المحبة للبرودة (Psychrophilic)، تسبب تلفا وفسادًا للأغذية، وخطورة على الصحة العامة، وغاية فكرتنا هي إبراز الجانب غير الآمن لحفظ الغذاء بالثلاجة، فالثلاجة لا تبيد كل الميكروبات إبادة مطلقة بل على العكس قد توفر ظروفًا مثالية لنمو وتكاثر أنواع ميكروبية شديدة الخطورة، وبالتالي لا يمكن الاعتماد على الثلاجة في خفض التلوث الميكروبي للأغذية.
شدة البرودة لا تمنع التكاثر:
يحدث الموت الفسيولوجي للميكروبات في جو التجميد كما أسلفنا ويقل جدا النشاط الحيوي في جو التبريد وهذا يحدث في الغالب للأنواع البكتيرية السالبة لصبغ غرامGram-) ) لكن يقل  تأثير التبريد والتجميد جدا على الانواع الموجبة لصبغ غرام Gram+)) والممرضة حيث ينحصر تأثيرها في الحد من نشاطها وتكاثرها  فقط دون أن يميتها  ونسوق بعض الأمثلة لكى يتضح الأمر، فبكتيريا Clostridium botulinum
تنتج سُمًا يسبب التسمم البوتيوليني الذى  يقتل 70% من
بكتيريا Clostridium botulinum
المصابون به،  ( من أخطر أنواع التسمم الغذائي ) وتتمثل أعراضه في  (مغص وقيء  وامساك وصعوبة في حركة العينين وازدواج الرؤية وصعوبة الكلام  وانتفاخ البطن  واحتقان دام في الحلق  وصعوبة التنفس مما يعيق حركة القلب والرئتين، مسببا الوفاة
، ويجدر بالذكر أن الأنواع الخطرة منه يمكن أن تنمو على درجات حرارة اقل من  3.3 درجة مئوية إذا تلوثت بها الأغذية، لذا يجب أن تُحفظ اللحوم والأسماك على أقل من هذه الدرجة بكثير ، كما أن النوع E منها يفضل  4 مئوية للنمو والتكاثر، الاكثر من ذلك قد تلجأ هذه الانواع لتحيط نفسها بدرع واقٍ يحميها من المؤثرات الخارجية على هيئه كبسولة تسمى "جرثومة" تظل حية بداخلها  لعدة عقود .
بكتيريا Salmonella typhimurium
أما البكتيريا المسببة لحمى التيفويد  enterica serotype Typhi    Salmonella تبقى حية
مدة قد تصل إلى 28 شهراً في اللبن المثلج، كذلك بكتيريا Staphylococcus aureus المسببة للتسمم العنقودي – أعراضه: غثيان، قيء، مغص، اضطرابات هضمية التهاب الأغشية المبطنة للقناة الهضمية، إعياء عام ــ لها مدى حراري يتراوح ب ين6.7 ـــ 44 درجة مئوية وتكمن خطورة هذه البكتيريا أنها لا تسبب روائح كريهة في الأغذية مما يصعب اكتشافها بالرائحة أو التذوق
بكتيريا Staphylococcus aureus  
إلا بالفحص البكتريولوجي الدقيق.
وفى هذا المقام لابد أن نذكر  بكتيريا Listeria monocytogenes   أو الليستريا المستوحدة التي تسبب مرض Listeriosis   ذو الأعراض الخطرة ( حمى شوكية  ، إجهاض للحوامل في الثلاثة أشهر الأولى من الحمل) ،علاوة على ظهور خراريج على الأيدي والأرجل، وتبلغ نسبة الوفيات فيه 35% معظمهم من الاطفال والحوامل وكبار السن هذه البكتيريا تستطيع  مضاعفة أعدادها كل 29ــ  - 45 ساعة عند درجة حرارة 4 مئوية لكن عند حرارة 13°م تنتج جيل كل 11ساعة ، وهذه البكتريا تقاوم التجميد  عند -18 مئوية في الآيس كريم لمدة شهر، ولقد ظهرت أول حالة  تفشى للمرض عام 1981 نتيجة تناول خضراوات ملوثة ، وتكررت الثانية بعد عامان  نتيجة تناول لبن مبستر ملوث بالميكروب .
وبكتيرياBacillus cereus   تتحمل درجات الحرارة المنخفضة (8 درجة مئوية) وتبقى حية لمدة طويلة، وكذلك بكتيريا Yersinia enterocolitica  تستطيع النمو والتكاثر على درجة حرارة 2° م، وهناك من الفيروسات ما تنعم بجو الثلاجة مثل فيروس H5N1 الذي لا تؤُثر عليه درجات التجميد عند 4 درجة تحت الصفر، مما يجعل حفظ الدجاج المصاب بأنفلونزا الطيور بطريقة التجميد مغامرة غير مأمونة الجانب.
كما ان هناك فيلق من الفطريات المحبة للبرودة لها المقدرة على النمو الجيد في جو التبريد والتجميد ومعظمها مُتلفة للغذاء ومدى نموها الحراري من 0 الى 15°م.
مثال آخر بكتيريا Aeromonas hydrophila هذه البكتيريا تسيب التهاب المعدة والأمعاء، غالباً في الأطفال الصغار والأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الجهاز المناعي أو مشاكل النمو. ترتبط هذه البكتيريا بنوعين من الالتهاب المعدي المعوي. النوع الأول هو مرض شبيه بالكوليرا، والذي يسبب الإسهال. النوع الآخر يتسبب في التهاب القولون فيصبح البراز رخو ممتلئ بالدم والمخاط.، وأحياناً يُسبب التهاب الأنسجة الرخوة. كما أنه يسبب أمراض مثل نخر العضل والاكزيما في الأشخاص الذين يعانون من أمراض المناعة. هذا الميكروب يرتبط وجوده بالأسماك والحوم والدواجن والألبان والخضروات الملوثة به أو حتى الثلاجات الحاملة له. وخطورة هذه البكتريا كونها محبه للبرودة أي أنها قادرة على النمو والتكاثر في جو الثلاجة حتى درجة 0.1 درجة مئوية بكفاءة عالية.
اللحوم المجمدة.. أمان أقل:

اللحوم خاصة المفرومة معرضة للتلوث  (من 50 إلى 60 ضعف) غير المفرومة ، وذلك نظراً لتوزيع مسببات التلوث على كل الأجزاء مع انتشار سوائل اللحم الغنية في أحماضها الأمينية وباقي مكوناتها الضرورية لمسببات الفساد من البكتريا والفطريات وهناك دراسة تمت في بريطانيا اثبتت أن 50% من اللحوم المفرومة ملوثة ببكتيريا Clostridium perfringens ، كما أثبتت الدراسة ان 5% فقط من البكتيريا الموجودة في اللحم يُقضى عليها بالتجميد خلال شهر من الحفظ وذلك عند سالب°20 م، كما أن ارتفاع درجة حرارة تجميد اللحوم (من5° إلى 10°م) يسمح بنمو بكتيريا وفطريات تظهر في صورة بقع ملونة  وربما تكون خالية من الروائح، وللعلم فان تلوث اللحوم قبل التجميد يسبب فساداً بطيئاَ أثناء التجميد حيث انه حتى لو لم تنمو مسببات الفساد وتم تدمير خلاياها بالتجميد فإن ما بها من إنزيمات محللة تنطلق الى الخارج ، وهناك من تملك أنظمة إنزيمية يستمر عملها ونشاطها حتى 30°م تحت الصفر، واذا عوملت اللحوم بالنيتريت او النترات فإن هناك بكتريا Micrococci   التي تُعد أهم عوامل الفساد تحت هذه الظروف ، لمقدرتها العالية على النمو في رطوبة محدودة ومقاومتها للتأثير الأيوني للأملاح.


 نظافة الغذاء والثلاجة = الأمان:
       لنتيقن جميعًا أن التبريد والتجميد ما هو إلا وسيلة لإطالة مدة حفظ الغذاء الطازج عن طريق تثبيط أو تدمير بعض الكائنات الحية الدقيقة وإيقاف الأنظمة الانزيمية، لكن لا يمكن الاعتماد عليها في خفض التلوث الميكروبي في الأغذية. وتبقى  نظافة الغذاء والعناية بجودته الميكروبية ثم حفظه بالثلاجة وسيلة آمنة دون أدنى شك ، أما في حالة الأغذية غير الطازجة فمعاملتها حراريا كالبسترة أو الغليان يضمن سلامتها فمثلا ميكروب St. auerus    و Listeria monocytogenes   وكذلك معظم البكتريا الممرضة غير المتجرثمة يمكن القضاء عليها بالتسخين على حرارة 72 مئوية لمدة 10 دقائق  وبالتالي فإن المعاملة الحرارية العالية تكفل حماية الأغذية وتصبح آمنة إذا ما حفظت بالثلاجة وكذلك فإنه يجب العناية بنظافة وتطهير الآلات المُستخدمة في تجهز الغذاء مثل مفارم اللحم والسكاكين وكل ما يعامل به الغذاء قبل الحفظ، أما جسم الثلاجة الداخلي فالعناية به ضرورة وليست رفاهية فتطهيرها بمطهر آمن  من آن لآخر  وسيلة تحد بشدة من انتشار الميكروبات بجو  الثلاجة، أيضاً يجب ألا يحفظ الغذاء المعلب في الثلاجة أكثر من أسبوع  بعد فتح العبوة، ولا يجب بأي حال من الأحوال صهر الاغذية المجمدة وإعادة  تجميدها، حيث تزداد الأعداد البكتيرية والفطرية بدرجة هائلة أثناء الصهر أو التسييح وارتفاع درجة حرارتها  بسبب انفراد سوائل الأغذية، ويصاحب ذلك فقد قيمة غذائية كبيرة  وكذلك خطراً مُؤَكداً على الصحة. لم أقصد بث الخوف في قلوب القراء لكن وجب التذكير، فالصحة أهم ما يملك الإنسان

وأقرأ أيضاً

كيف نحافظ على لحوم الأضاحي؟