كثيراً ما نصحت الأم ابنتها المقبلة على الزواج بأن تهتم
بطعام الزوج وتعتني به أيما عناية. ثم ما لبثت أن تبوأت هذه النصيحة مكانة الأمثال
التراثية. وأصبح من المقبول والطبيعي أن تسمع تلك المقولة الشهيرة "المعدة هي
أقصر طريق لقلب الرجل". وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع تلك المقولة، فلقد بات اعتبار
القناة الهضمية منفذاً لعقل الرجل، لها فكرها المستقل وقراراتها الخاصة بها وحدها
دون غيرها، فيما أطلق عليه "الدماغ الثاني للإنسان".
![]() |
| الجهاز الهضمي |
يؤدي
الجهاز الهضمي وظائف كثيرة تتعدى حدود الطعام الذي نأكله. وأصبحت هناك قناعة تستند إلى دلائل وبراهين على أن تحسين صحة القناة الهضمية مرتبط بتحسين الجهاز المناعي،
بل ومعالجة الاضطرابات التي تؤثر على الصحة النفسية، كما تعزز
الميكروبات النافعة التي تعيش في الجهاز المعوي من دوره وكفاءته، بل وعلى
الصحة العامة ككل. لم تأتي هذه الاستنتاجات من فراغ
لكن مدعمة بعدة حقائق.
![]() |
| الأمعاء الدقيقة |
وما أكتشف حديثاً، يؤيد أن الأمعاء تتمتع باستقلالية في
اتخاذ قراراتها الخاصة،
ولا تحتاج إلى توجيه أو سيطرة المخ، كما في
باقي أعضاء الجسم. والمسؤول عن هذا السلوك المعوي هو شبكة
من الخلايا العصبية، التي تبطن المعدة والجهاز الهضمي، تفوق تلك الموجودة
في الحبل الشوكي، يطلق عليها "الجهاز العصبي
المعوي"، وتعمل بطريقة مستقلة عن الجهاز العصبي المركزي، ويتواصل معه
من خلال العصب السمبثاوي وشبه السمبثاوي. لهذا السبب أطلق
عليها العلماء "الدماغ الثاني".
كما
أن للقناه الهضمية الكائنات الدقيقة الخاصة بها،
فتقوم البكتيريا، التي تعيش في الأمعاء، بالمشاركة في هضم الطعام بمجرد وصوله إليها،
دون أن تنتظر الإذن من المخ أو من غيره. وتعيش هذه
الميكروبات هي الأخرى باستقلالية تامة، كمجتمع متوازن وتقوم بأدوارها
المحددة دون تقصير، ودون أن يُطلب منها. كما أنها تتوقف من تلقاء نفسها وطبقا لما
تراه. وقد تزن البكتيريا مجتمعة في جسم الإنسان 2 كجم، حيث تتكاثر بأعداد رهيبة داخل القناة الهضمية.
حري
بالذكر أن فضلات الإنسان لا تحتوي على بقايا الطعام فقط، بل تمثل البكتيريا 50% من براز الإنسان، والكثير منها
نافع للجسم. وهذا المكان هو الوحيد من بين أعضاء الجسم الذي يُسمح فيه بأن تتواجد
الميكروبات بهذه الأعداد، وبهذا التنوع.
![]() |
| بكتيريا موجودة في الأمعاء الغليظة (إيشريشيا كولاي) (مكبرة 10000 مرة) |
هذا الكم الهائل من البكتيريا المختلفة الأنواع والأشكال تتعايش مع بعضها في توازن وتنسيق كاملين، لا يحكمها قانون الجهاز العصبي المركزي ولا حتى الجهاز العصبي
المعوي، ولكنها في الوقت ذاته تعمل بانسجام تام مع
أيقاع الأمعاء. ويتعرض الإنسان لمشاكل جمة إذا اختل هذا التوازن، أو طغت
مجموعة على أخري خصوصاً تلك الممرضة منها.
من المهام الجليلة التي تقوم بها هذه الكائنات الدقيقة، هي كبح جماح الجراثيم المسببة للأمراض،
والتي تعيش في صورة خاملة، طبيعيا في الأمعاء. وقد يتم اللجوء إلى علاجات غريبة نوعاً وغير تقليدية، كعمليات زرع براز،
ويتمثل في زرع بكتيريا براز شخص صحيح في شخص مريض كمستقبل لهذه البكتيريا. وهي بمثابة علاج حيوي للأشخاص الذين يعانون من النمو المفرط للبكتيريا
الضارة في أمعائهم. وتعد
الألبان المتخمرة بدائل طبيعية لتلك الميكروبات النافعة،
لإعادة التوازن الحيوي داخل الأمعاء. ويمثل عدم سيطرة
المخ والعقل على الجهاز المعوي وميكروباته ترسيخاً لمفهوم استقلالية القناة
الهضمية.
وكنتيجة لاستقلالية الجهاز العصبي المعوي، يندفع الجهاز الهضمي إلى بدء عمله تلقائياً دون ضابط من المخ. وقد يمثل ذلك
مشكلة إذا أفرط الإنسان في تناول الطعام، حيث يُفاجأ الجهاز الهضمي بكمية الطعام
التي تفوق طاقته فتمثل عبئاً ينعكس على الصحة العامة، وليس الجهاز الهضمي فقط. ويعد الإفراط في الطعام والشراب، حتى وان كان صحياً، من
العادات التي تؤدى لزيادة التخمرات اللاهوائية وخلل في الميزان الحيوي بالأمعاء
لصالح الميكروبات الضارة. لذا يعد التوجيه الإلاهي معياراً مثالياً لما يجب أن
يتناوله الإنسان، قال الله: "كُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟
إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ" (الأعراف: من الآية 31).
الغريب أن تتأثر الميكروبات المعوية بنوعية النوم والغذاء، فالنوم الجيد والتنوع الغذائي يحسنان صحة
الميكروبات المعوية. حيث تنتمي ميكروبات الأمعاء لفصائل متنوعة، وتختص كل مجموعة
بالمساعدة في هضم أغذية معينة. ومن الطبيعي أن يكون لكل مجموعة ميكروبية غذاء مختلف، لذا فإن تناول نظام
غذائي صحي ومتنوع يوفر حماية لأكبر عدد من الميكروبات النافعة، كما يحسّن صحة
الأمعاء. أما من يتناولون نفس الأغذية باستمرار فتتضاءل لديهم التنوعات الميكروبية
المعوية.
وتسبب الأغذية غير الصحية مثل الكحوليات مشاكل في الأمعاء، وخلل العشائر الميكروبية. أضف إلى ذلك أن عدم ضبط إيقاع النوم يعمل على تعطل دورة نمو وتكاثر الميكروبات
المعوية النافعة. حيث يحتاج الجهاز العصبي المعوي فترة من الراحة اليومية،
فله دورته البيولوجية الخاصة به على مدار الساعة، مثلما يحتاج المخ لذلك تماما. وخلل النوم والغذاء يسمحان بسيادة الأجناس الميكروبية
الضارة على حساب النافع منها.
وتستقل الأمعاء كذلك بأمراضها العصبية النفسية، ولا تؤتى العلاجات التقليدية النفسية للمخ بنتيجة
فعالة أو ملموسة إذا تعرض الإنسان لمشاكل معوية، ويجب التركيز هنا على الحالة
النفسية للجهاز العصبي المعوي، فلها أثرها الواضح على مزاجية الفرد. ولعل مرض القولون العصبي أحد
أشهر الأمثلة على ذلك، حيث تحدث إضرابات مستمرة وخلل في الميكروبات المعوية دون أن
يكون هناك سبب عضوي.
بل
الأكثر من ذلك، أن الأمعاء مسئولة عن الاضطرابات
النفسية للجسم عموماً، فيتم إنتاج أكثر من 80%
من السيروتونين في الجهاز الهضمي. والسيروتونين هو أحد الهرمونات الهامة المسؤولة
عن السعادة وتواصل خلايا الدماغ فيما بينها فيجعل الإنسان سعيدًا، ومتوازن نفسيا.
ويقوم السيروتونين في الجسم بتنظيم حركة الأمعاء وضبط المزاج، ويسبب الشعور بالغثيان
في حالات القلق ويكون مصاحب للإسهال أو عدم الرغبة في الطعام. كما انه يتحكم في
دورات في النوم والاستيقاظ. ويؤدي التوتر إلى تراجع
مستويات السيروتونين ومن ثم يؤثر على الحالة العاطفية، ليس ذلك فقط، ولكن هناك
أدلة على وجود خلل بالميكروبات المعوية في المرضى الذين يعانون من مشاكل الصحة
النفسية. لذا يعد الهدوء النفسي والتأمل أحد أهم العلاجات التي تفيد القولون
وميكروباته. ونتحصل على نفس النتيجة وأفضل بالمداومة على الصلاة.
الملفت
للنظر أنه قد تظهر مشاكل معوية عند الشعور بالخوف من
تناول نوع معين من الطعام، بغض النظر عن كونه صحياً أم لا. وهنا يظهر
دور الجهاز العصبي المعوي الذي يتأثر بالإيحاءات النفسية لتتحول إلى متلازمة مرضية
معوية. فمثلا، يخشى البعض من تناول لاكتوز اللبن لاعتقاده أنه يسبب اضطرابات معوية،
الغريب أنه تظهر على الشخص السليم أعراض مرضية بالرغم من عدم وجود حساسية، وحتى في
وجود الميكروبات الهاضمة لهذه الأطعمة.
أخيراً،
في الأمعاء وحدها يتواجد 70% من خلايا المناعة.
تشير البحوث الحديثة إلى أن اضطرابات ومشاكل الجهاز الهضمي تزيد من احتمال الإصابة
بأمراض أخرى تختلف كلياً عن أمراض الجهاز الهضمي الشائعة، مثل نقص المناعة والأنفلونزا. وعليه فتعد
صحة القناة الهضمية وميكروباتها بالغة الأهمية لتعزيز مناعة الجسم ضد مختلف الأمراض.
ختاماً.. بات واضحاً كيف يكون
للأمعاء دوراً بارزاً في الحفاظ على الصحة النفسية، بل وعلى النظام
الحيوي ككل، وعلى سكانها من الميكروبات، وكيف يستقل دماغها بقراراته وعمله، بعيداً
عن المخ. لكن هو دماغ محدود المهام، لا يفكر ولا يقوم مقام العقل بحال، لذا سيظل النقاش مطروحاً حول اعتبار الأمعاء دماغا ثانياً
للإنسان من عدمه.























