الأربعاء، 5 فبراير 2020

الحب عند الفراعنة


الحُب عند الفراعنة

الحب عند الفراعنة


د. محمود المحمدي عبد الهادي


الحب منحة من الإله، يزرعها الرب في القلوب، فإذا كان للحب والعشق كلمات لا تستطيع ان تعبر عن الحب والهيام، فالحب كالروح في الجسد، فإذا ذهب الحب مات الجسد.

لا شك أنه من الصعب كتابة موضوع عن الحب في مصر القديمٌة، ولكن بالبحث تبين أن لدينا بعض المناظر المنقوشة على الجدران تعبر عن الحب مثل المشاهد المتواجدة عل جدران المعابد والمقابر ولدينا أيضاً بعض النقوش البارزة والقطع الفنية التي تبين ذلك الحب بين الملك وقرينته وأيضاً يحتوي الأدب المصري القديم على الكثير من قصائد الحب التي كان العاشقين يكٌتبونها.

فالحُب هو إحساس المودّة الشديدّ تجاه الآخرين. من الممكن أن يكون الحب ناشئاً عن وجود صلات شخصيّة مثل حُب الأم لطفلها، أو يكون بين محبين منجذبين لبعضهما البعض، فالحُب يُطلَق على الإحساس الدافئ أو الحماس أو التفاني تجاه فرد أو شيء معيّن.


وللحب درجات فأول درجات الحب الهوى ثم الكلف وهو شدة الحب ثم العشق ويليه الشغف وهو إحراق القلب مع لذه يجدها الحبيب وهو أن يبلغ الحب شغاف القلب، التيم أو المتيم، وهو ان يستعبده الحب.

والحب والكراهية من الأحوال النفسيةٌ الوجدانية التي صعب على المرء تحديد معناها وإنما هي من المحسات (المشاعر) التي يشعر بهما الإنسان ولا يستطيع القول أو التعبير الصحيح عن هذا الشعور المتداخل.

وسعى المصري القديم أن يكون محبوباً بين الناس كما سعى إلى حب الإله بصفته الخالق الرزاق والقائد الذي بيده قوة التغلب على المصير فعندما طلب الفقير من الله أن يرٌحمه فإنه لا يعترض على قضاءه وقدره على الإطلاق.

وعرف المصري القديم بان القلب هو مركز الحب لذلك ارتبط مفهوم الحب بالقلب وشبه القلب بالمعبد والحب بالإله وأن الإله لابد أن يكون متواجد بالمعبد لذلك ارتبط المعنى الحسي بالمعنى المعنوي للحب عند المصري القديم.


كلمات الحب عن المصريين القدماء


ظهرت كلمة حب في الدولة القديمة بمعنى (مر) حيث احتوت نصوص الأهرام على فعل (مر mri)



وعُرفت الرغبة أو الحب الشديد في اللغة المصرية باسم (مروتmrwt )



وعُرف المحب باسم (امع) والمحبوبة باسم (امعت) وظل هذا الاسم يستخدم حتى نهاية عصر الأسرات في الحضارة المصرية القديمة.



وظهرت كلمة الحب في القلب بمعنى (اما اب) والتي تطورت بعد ذلك إلى كلمة حب في اللغة العربية.



وكلمة حب لا تعبر فقط عن العاطفة، بدايةً من الحماية والمحاباة والاهتمام وصولاً إل الولاء والطاعة.

وينحصر مصطلح الحب في اللغة المصرية القديمة على "سعادة شخص ما يشتاق إلى شخص ما ويستخدم هذا المعنى خاصة في المصطلحات الرسمية وتم استخدامه موازية للفعل مٌدح.

أنواع الحب عند المصري القديم


ينقسم الحب عند المصري القديم الى ستة أنواع:

1.  حب الذات أي النفس.

2.  حب العائلة والأسرة .

3.  حب الوطن.

4.  الحب العاطفي. 

5.  حب الإله.

6.  حب السلطة. 

وسوف نتناول كل نوع من الأنواع السابقة مع عرض أمثلة له من الحضارة المصرية القديمة.


حب الذات أو حب النفس


يعتبر حب الذات أحد الصفات التي يتمتع بها البشر، ويظهر ذلك في خوف الإنسان على نفسه من الخطر، فكل كائن حي على الأرض يحب نفسه ويسعى للحفاظ عليها، وعملت التعاليم المصرية القديمة - التي تتمثل في الأخلاق - على تنمية حب النفس ولكي يزيد ثقة الإنسان في نفسه ويبعد عنه الأنانية.

فجميع النصائح التي تعلمها المصريون القدماء من الأجداد مثل "بتاح حتب" و "الحكيم كاجمنى" و "مرى كارع" و "انى" و "امنوبى" عملت على التوازن النفسي للشخصية المصرية القديمة. فمن تلك النصائح التي تعمل على التوازن النفسي بين حب الذات والغرور أن يعشق الجميع وأن يحب نفسه بكرامة وأن يتوازن في مشاعره.

حب الوطن


عرف الإنسان المصري القديم حب الوطن، وظهر ذلك في الحفاظ عليه والدفاع عنه وعمل دائماً على رفعة شأنه، ويتمثل حب الوطن في قصة "الطبيب سنوحى" الذى فر الى بلاد الشام بعد أن ظن أنه سمع مؤامرة قتل الملك امنمحات الأول، ومكث في بلاد الشام مدة طويلة، وظل بها حتى سمع أن ملك بلاد الشام (رتنو) يجهز جيشًا قويًا به سيوف من الخشب، حيث أن هذه السيوف كانت سلاح جديد، فطغى عليه حب الوطن وأرسل الى الملك "سنوسرت" الأول يطلب منه الأمان ليخبره بشيء ما، فقابله الملك وأخبره بالسلاح الجديد، وعفا عنه، وعاد الى الوطن مرة أخرى، ومات، وتم دفنه في أحضان مصر الغالية.


حب الأسرة وأفراد العائلة


كانت الأسرة في مصر القديمة متماسكة إلى درجة كبيرة، فتظهر مشاعر الحب من خلال النقوش، فصورت أخناتون يجلس بناته على حجره، ويرفعهن بيده ليقبلهن، وصورت الأخوة الصغار يمسك بعضهم بأيدي بعض.

وأشاد المصري القديم بدور الأم في تربية الأبناء، وفضلها وحبها لهم، ويذكر الأدب المصري ما يجب ان يقدمه الأبناء عند الكبر لرد فضل الأم حيث يذكر "ضاعف الخبز لأمك، واحملها إن استطعت كما حملتك، فطالما تحملت عبئك". وأيضاً يوصيه بأن ينتبه إليها "فإذا شببت وتزوجت واستقررت في دارك، ضع نصب عينك كيف ولدتك أمك وكيف حاولت أن تربيك بكل سبيل".

أما بالنسبة لحب الأخوة فيتمثل في "نى عنخ شنوم" و "شنوم هو يتب" اللذان تم دفنهما في مقبرة واحدة في حضن بعضهم البعض، ربما كانوا إخوة توأم، وتم توضٌح ذلك الحب من خلال تقبيل أحداهما أنف الآخر.

حب الإله


أشهر أدباء الفراعنة على الإطلاق هو الملك الفرعون أخناتون، ذلك الفيلسوف المتأمل والزاهد المتعبد، الذي تعتبر أناشيدٌه وأشعاره التي تركها مكتوبة على معابده في تل العمارنة بالمنيا تكشف لنا مدى سعة أفق أخناتون في التطلع والتأمل في الكون، لقد أشتهر أخناتون بأشعاره المتصوفة حيث يقول أخناتون في أنشودته الجميلة في حب المعبود آتون: "آتون يا أصل الحياة، كم أنت جميل في أفق السماء، بإشراقك تمتلئ الأرض بوهج. سناك، أيها المتألق في علياء سمائك، وقد انقاد الكل لسلطانك وتربطهم بحبك".


الحب العاطفي

كان الزوجة تطلق على زوجها "هي" باللغة المصرية القديمة وتعنى البعل أو "نب" أي ولى الأمر و "سن" بمعنى أخ. وكانت الزوج يلقب زوجته بــ "حمه" أي حرمه، و "مِرَة" أي الحبيبة، و"سنة" أي الاُخت، وإذا تحدثت الناس عنها قالو "نبت بر" بمعنى ست البيت.

فالمصري القديم كان يقدر بيته وزوجته والسعادة الأسرية فيقول الحكيم "بتاح حوتب" في تعاليمه: "أحبب زوجتك في حدود العرف، أو عاملها بما تستحق، إذا أردت الحكمة فأحب شريكة حياتك، واعتن بها ترع بيتك، قرّبها من قلبك فقد جعلها الإله توأماً لحياتك، زودها بكسوتها، ووسائل زينتها، وزهورها المفضلة، وعطرها المفضل، كل ذلك سينعكس على بيتك، ويعطر حياتك، ويضيئها".

0 comments:

إرسال تعليق