الجمعة، 28 سبتمبر 2018

التغذية العلاجية ... ما هي القصة؟


التغذية العلاجية ... ما هي القصة؟
التغذية العلاجية ... ما هي القصة؟

أستاذ الكائنات الحية الدقيقة والنشاط الميكروبي
هل من الصعب أن نكتشف أصل وبداية التغذية العلاجية؟ وهل يصعب اتباعها؟ وهل هي نظام حديث مبتدع أم أن له جذوره التي قد ترتبط بجذور الإنسان على الأرض؟ هل لابد من العودة إليها ولما كان عليه الأجداد؟ في معرض إجابتنا على هذه الاستفسارات قد ندرك أن لها علاقة وثيقة الصلة بصحة الأنسان وجودة حياته، فيكون ذلك شفيعا للعودة إليها.
أصل الحكاية
خلق الله سبحانه وتعالى البشر وخلق مقومات معيشتهم، ومن أهمها الطعام. وجعل من الطعام غذاء حفاظاً على حياتهم، ودواء صوناً لصحتهم. فكفل لهم بذلك حماية من الأمراض وما يتعرضون له من مخاطر لم يدركونها في ذلك الحين. وما يثير العجب أن الله لم يخلق أدوية كيميائية أو مسكنات أو مضادات حيوية صناعية كما نراها بشكلها الحالي ... فما هي القصة؟


كانت فطرة الله التي فطر الناس أن يتعاملوا مع المرض من خلال منهجين؛ الأول: ما أودعه بأجسامهم من قدرة الجسم الذاتية ومناعة طبيعية في الحماية من المرض، والثاني: التغذية الصحية التي تساعد بل وتحقق الشفاء التام من الأمراض. ولقد مثَّل كلا المنهجين سداً منيعاً أمام الأمراض، فاق كل ما في جعبة الطب الحديث من أدوية. وبهذا الشكل فقد كان الغذاء نظام حياه وقائي وعلاجي. ولأنهم لم يخالفوا هذه الفطرة فقد عاشوا أصحاء، إلا فيما ندر.
قديماً، طور الفراعنة ومن بعدهم الأطباء العرب الأغذية العلاجية، وكانوا يعتقدون بانه لا يوجد مرض لا يمكن علاجه بالأعشاب، وانتشرت الموسوعات والمخطوطات العربية عبر العالم، حتى عرفت فيما بعد بالطب الشعبي. وما زال العطارون يستخدمون موسوعة ابن سينا، وتذكرة داود ومؤلفات الرازي وابن البيطار.
ضرورة التنوع
الأصل أن يتلاءم الغذاء مع بيئة الإنسان الذي يحيا فيها، وأن يتناول غذاءه ودواءه بشكله المتوازن حسب المكان الذي يعيش فيه. فالتنوع هو سمة أساسية ومميزة لبيئة وغذاء صحيين، وعليه فقد كان لكل مكان ما يناسبه من أغذية تتفق مع المناخ والأرض وفصول السنة وطبائع البشر، بل الأغرب أنها تتفق مع الكائنات التي تصاحب الإنسان في منطقته وتتنوع تلك الكائنات طبقا للتنوع الجغرافي، بدايةً من النباتات والحيوانات وحتى الكائنات الحية الدقيقة التي اكتشفت في العصر الحديث.
لذلك لا عجب أن تسود بعض الكائنات في مناطق دون غيرها، ولعل حكمة الله في خلق ذلك التنوع البيولوجي لدور قُدر له أن يلعبه في حماية الإنسان في منطقة بعينها، كما أن للمناطق الأخرى ما يناسبها من توازنات بيئية من النبات والحيوان والميكروبات. ولذلك تختلف الأغذية المتوازنة التي تتواجد طبيعيا من منطقة لأخرى بل وفي مختلف فصول السنة، فلم يكن شائعا التنقل من مكان لآخر طلبا للعلاج، فلكل بيئة أدويتها التي تنبع منها ولأهلها. فلم يتكلفوا مشقة البحث عن الدواء المناسب، كما نجد في الطب الحديث، لأنه موجود في البيئة من حولهم ويناسبهم أكثر من غيرهم. وفي كل الأحوال، كانت هناك محصلة قيمة لجودة حياة الإنسان أيا كان موقعه على الأرض.
التقدم خطوة للوراء
حديثاً، أصبح هناك العديد ممن ينادي بالعودة لهذه الفطرة، وظهرت العديد من النظم الغذائية بل والأنظمة الحياتية ولعل أشهرها نظام "الماكروبيوتك" وتعني باليونانية "الحياة المديدة". ولسنا هنا بصدد تقييم هذه النظم ومقارنتها بالطب التقليدي ولا نقف مع أو ضد أي منها في هذا المقال، فربما نتعرض لذلك لاحقاً، ولكن نسرد هنا بإيجاز أن العودة للأصل ليست رجوعا للخلف، ولكنه دفعة في الاتجاه الصحيح. ومع المدنية المزعومة، كادت تنهار تلك المنظومة الطبيعية التي فطر الله الناس عليها، وبدأ الطب الحديث يحتل الصدارة، وبدأ معها صناعة المرض ومن ثم صناعة الدواء. إن حدوث المرض قد يكون بأحد سبيلين، إما بغير قصد جراء تخلى الإنسان عما وهبه الله من منظومة بيئية غذائية متزنة، وإما يُصنع المرض عمداً! فتزيد الحاجة للدواء الذى أُعد مسبقاً!
لماذا العودة؟
ولعل ما جعل هذا الاهتمام بالغذاء والتغذية العلاجية يطفو على السطح ويحتل مركزا متقدما من اهتمام البشر، خصوصاً في الآونة الأخيرة، هو ما بدا واضحا من عجز النظم الطبية الحديثة في التصدي لأمراض خطيرة، أو علاجها جزئيا لكن بآثار جانبية أكثر خطورة. فالطب الغربي الحديث في حاجه إلى الدعم من مصادر أخرى كالأغذية الميكروبية والتغذية العلاجية والماكروبيوتيك وحتى الطبيعة ذاتها. فمثلا تعد البكتيريا العلاجية علامة بارزة في التغذية العلاجية وتلعب دوراً صحياً وعلاجياً هاما، وبصفة خاصة عند إضافتها للمنتجات اللبنية المتخمرة، وقد ثبت بالدليل الواقعي للعالم ما فعلته تلك البكتيريا من زيادة في أعمار أهالي البلقان والقوقاز مع تحسن في صحتهم مقارنة مع الشعوب الأخرى. فالتغذية العلاجية تحفز المناعة والعلاج الذاتي، هذا ما يطلق عليه مجازا الطب المكمل أو البديل، وان كان من الأنصاف أن يكون الطب الغربي هو الطب المكمل أو البديل.
والغريب أنه لكي تنجح علاجات وأدوية الطب التقليدي لابد له أن يلجأ إلى التغذية العلاجية بمفهومها الإكلينيكي وليس بمفهومها الشامل. حيث لابد من اتباع نظام غذائي، يتغير طبقا للسن ولنوع المرض وشدته. فيختلف مريض الكبد عن الكلى عن المريض بالسكرى وهكذا، فلكلٍ نظام غذائي يناسبه. لذلك فمن الطبيعي أن نعود إلى حيث كانت البداية، حيث لم تكن لهذه الأمراض وجود، ومن الإنصاف القول إنها ربما كانت موجودة ولم تكتشف، وسواء كانت موجودة أو لم تكن، فمن الإنصاف أيضاً القول بأنها لم تكن متفشية كما هي عليه في وقتنا المعاصر.
فهذه الطرق الصديقة تحافظ على حيوية الجسم وطبيعته التي خلقه الله عليها في أفضل صورة، وتقوم بشكل دائم بصيانة الأعضاء وتنقيتها من السموم وإعادة برمجة الخلايا والتخلص من التالف منها. وفي حالة المرض، وان كان احتماله ضعيف، تٌحدث تغيرات حيوية، تُفعل من خلالها الأجهزة المناعية فتمكن الجسم في التغلب على الأمراض. أضف إلى ذلك تكاليف العلاجات التقليدية وارتفاع أسعارها بالمقارنة بغيرها، خصوصا في ظل الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي تعصف بالعالم من وقت لأخر، والتي أجبرت الإنسان أن يقيم كل شيء - حتى نفسه - بطرق مادية بحته.
وختاماً، فهل آن أوان العودة؟ هل من دفعة في الاتجاه الصحيح؟ فليس أقل من أن تتكاتف هذه العلوم جنباً إلى جنب مع الطب الحديث، من أجل حياة تعج بالصحة والعافية. فما نراه من الواقع يشي بأنه قد بات حتماً أن يٌساق الإنسان راغباً أو راغماً للأغذية والتغذية العلاجية مثلما يأوي الطفل إلى حضن أمه الدافئ بعد طول غياب.

هناك 4 تعليقات: