السبت، 22 سبتمبر 2018

حياة بلا ذاكرة!

حياة بلا ذاكرة!
أستاذ الكائنات الحية الدقيقة والنشاط الميكروبي

كانت وماتزال حياة الجنين في رحم أمه تثير علامات استفهام كثيرة. فمثلا، لو عاد الزمن إلى الوراء، هل لك أن تتذكر ما كنت تفعل وأنت في رحم أمك؟ بالطبع جميعنا لا يعلم، ولا يتذكر شيئاً عن حياته الجنينية الأولى. غريب هذا العالم في تكوينه وفي التعامل معه، حتى أننا لا نعلم كيف ومتى تتشكل ذاكرة الجنين؟
معلوم أن الجنين يمكث في الرحم تسعة أشهر، ويعتمد في عملياته الحيوية على الأم. حيث يعتبر الرحم هو بيت الجنين الذي ينمو ويتطور فيه بطريقة آمنه، معزولا عن الوسط الخارجي وحماية له من أي أخطار محتملة. وعلى الرغم من أهمية كل مكونات الجنين، حيث لكل منها دوره، إلا أن ما يهمنا هنا مخ الجنين وعقله.
معروف أن المخ هو الجزء المتحكم في جميع وظائف الجسم كنبض القلب والحركة والإحساس وهو أيضا مركز الجهاز العصبي بذلك يكون هو القائد لجميع عمليات الجسم الحيوية. لذلك يعد من الأعضاء التي تخضع للتقييم المستمر خصوصا في مراحله الأولى للتكوين، حيث يتطلب الأمر الاطمئنان عليه وعلى سلامة تكوين المخ بالدرجة الأولى والجهاز العصبي عموما.


في بداية الأسبوع الرابع للجنين يمكن رؤية أنبوب صغير، الذي يكون بعد ذلك العمود الفقري للجنين، يتضخم هذا الأنبوب من طرفيه ليكون المخ. تسمى في البداية النيورون التي تتجمع وتتصل ببعضها البعض عن طريق حلقة وصل أو نقطة تقاطع عصبي. ولا تتشكل هذه التقاطعات إلا بعد الولادة عند اكتساب المهارات الاجتماعية أو المعرفية ولا تكتمل إلا عندما يصل الطفل عامه الثاني.
ومن الطريف أن المخ هو العضو الوحيد التي يتطور ويتغير سواء كان للأفضل أو للأسوأ. كما انه من الغريب أن المخ أول شيء يمكن أن يري في بداية نموه داخل جمجمة الجنين، ومع ذلك فإن تصوير مخ الجنين من الأمور المستحيلة وقد يستغرق تصويره 30 ساعة تقريبا، نتيجة تحرك الجنين المستمر في بطن الأم.
ويهتم كثير من العلماء للوصول إلى طريقة دقيقة لتصوير مخ الجنين للتأكد من صحة ومدى تطوره، وعلاج ما قد يعتريه من متغيرات أو خلل لإمكان علاجها قبل الولادة، لتجنب الأمراض التي قد تصيبه فيما بعد. ذلك أن الخلل البسيط في هذا العضو الهام يمتد ليصاحب الفرد لسنوات في حياته، إن قدر الله له البقاء. وقد يرجع هذا الخلل إلى البيئة، أو تغذية الأم، أو لأسباب وراثية، أو ربما لأسباب أخري غير معلومة.
ومع تطور البعد المعرفي للبشر والطرق الحديثة للفحص والإحاطة بجوانب شتى لما يحدث لمخ الجنين وتكوينه، إلا أن ثمة جانباً هاماً لم يكشف عنه اللثام تماماً، ومازال الغموض يمثل الكلمة العليا فيه. فمثلا: هل لنا أن نسأل عن أحلام الجنين وذاكرته، هل للجنين أحلام؟ هل له ذاكرة؟
وللإجابة مسلكين، أولها أن نسأل الجنين ذاته! وهذا غير وارد أو ممكن، وإن أمكن فلن تحصل على إجابة. وعليه فإن المسلك الأخر يتمثل في الاستنتاجات من الأدلة العلمية من هنا وهناك، التي قد تبين مدى صحة وجود أحلام أو ذاكرة للأجنة.
لاحظ الباحثون عند تحليل مخططات ذبذبات مراكز معينة في مخ الجنين وجود تشابه لحد كبير مع أنماط ذبذبات أدمغة البالغين في حالة النوم. لذلك استنتج الباحثون أن الجنين له أحلام لكنها أحلام ذات طبيعة صوتية، أكثر من كونها صور بصرية كما يحدث في عالمنا. وهذا يجعلنا نسأل عن أي شيء تكون أحلام الجنين مع انه ليس لديه أي تجارب سابقة. ظهر في ذلك عدة نظريات، أرجحها أن الأحلام تتكون نتيجة المؤثرات المحيطة التي يستقبلها من حواسه الخمسة خاصة حاسة السمع عندما يسمع صوت أمه أو صوت الدم المار بالشرايين أو صوت دقات قلب الأم.
لكن مهلا، فربما يمثل استدعاء هذه الأصوات الذاكرة الجنينية وليس الأحلام. أي أن الجنين من وقت لأخر يتذكر هذه الأصوات! كما انه قد يمر على الإنسان بعض المواقف في الحياة ويظن انه قد رآها من قبل. وقد فسرت ذلك بعض الدراسات بأن الجنين تمر عليه أحداث حياته الكاملة من بداية مولده حتى وفاته وهو في بطن أمه.
وبالطبع كل ذلك تفسيرات ولا نعرف كيفيتها أن كانت تتم فعلا. لكن ربما وضح ذلك الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن عبد الله ابن مسعود قال: حدثنا رسو ل الله (ص) وهو الصادق المصدوق قال: "إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح. ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد". وقد تكون هذه الأربع كلمات التي وردت في الحديث هي أحداث الحياة التي يراها الأنسان في مراحله الجنينية الأولى.
والسؤال، هل يجوز أن نطلق على هذا النشاط العقلي للجنين أحلام أو ذاكرة؟ هل يمثل هذا التصرف ذاكرة بمعناها الواسع والمعروف؟ إن ما يمكن طرحه من تفسير هو أن ما يحث هذا خليط متداخل من الأحلام والذاكرة يؤثر كل منهما في الآخر ويتأثر به، نتيجة التركيب الجنيني البدائي للمخ، لكونه لا يزال مشوشا، لم يتم اكتماله بعد. فيحدث هذا الخلط بين الأحداث وبعضها وبين الأحلام والذاكرة وبين القديم والجديد، كل ذلك يتم في آن واحد دون مراعاة لبعد زماني أو مكاني، إلى أن يتدرب المخ جيدا وينتبه لهذه الأبعاد. فيعد هذا الخلط هي مجرد بداية أو تحفيز للمخ كي يستعد لأداء دوره المنوط به، كما يحدث لمحرك جديد بدأ عمله للتو.


فإن أسعفتنا العلوم بإجابة شافية ودقيقة تؤكد وجود ذاكرة، ولو بدائية، للجنين فيمكن هنا أن نؤسس لعلم جديد يتناول "التنمية البشرية للأجنة" حيث يتم تأهيله نفسياً واجتماعياً، وتعليمة الأخلاق السوية والتأكد من سلامة صحته النفسية قبل أن يولد، تماما كما يتم التأكد من صحة البناء الجسدي والعصبي للجنين في رحم أمه.
بعد هذا الموجز لعالم تكتنفه الأسرار والعجائب يمتد لتسعة أشهر من الحياة الجنينية؛ نجدها حياة بلا ذاكرة ولا ماضي، فالمؤكد أن لحظة خروج الجنين من الرحم تكون بلا ذاكرة، ولا يمكن لأحد أن يسترجع، ولو قدر ضئيل، مما كان يحث قبل لحظة الميلاد. نعم الميلاد هو البداية، ولكن بلا علم ولا ذاكرة قال تعالي: وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡ‍ٔٗا )النحل: 78). وكما بدأت الحياة بلا ذاكرة فقد تنتهي أيضا كذلك، لقوله تعالي: وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡ‍ٔٗاۚ )الحج: 5). وسواء انتهت الحياة بذاكرة أو بدونها فليس هذا هو المهم، فبيت القصيد أن لكل نفس ماضي تُحَاسَب عليه.
وأقرأ أيضاً

خدعوك فقالوا ...للسمع فقط


خدعوك فقالوا ...للسمع فقط

أستاذ علوم الأغذية
حظيت الأذن بنصيب وافرٍ من الاهتمام عبر العصور؛ فاتخذها الآباء والمعلمون موضعاً لعقاب المخطىء من الصغار،  واتُخذت مكانا لقرط الزينةُ، قديما وحديثاً، ونالت اهتمام علماء الوراثة؛ فوضعية شحمتها انفصالاً أوالتحامًا يدل على صفة وراثية، كما ذُكرت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة  بالتلميح تارة وبالتصريح تارةً أُخرى ( البقرة 19، النساء 119،المائدة 45، الأنعام 25، الأعراف 179)، وحاسة السمع أكثر الحواس الخمسة ذِكراً في القرآن الكريم، وتغنى بها الشاعر بشار بن برد فقال:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة     والأذن تعشق قبل العين أحيانا
       كما حظيت بثلث تخصص "الأنف والأذن والحنجرة"، واهتم بها أطباء التجميل تكبيراً وتصغيراً وتجميلاً.  والمدهش أن لشكلها القدرة على تحديد الهوية الشخصية فشكل الأذن الخارجية وحجمها واتجاهها هي فردية مثل بصمات الأصابع. كما أنها تؤثر في إنتاج بعض الهرمونات؛ فصيوان الأذن ينبه إفراز الهرمونات الجنسية، كما أن هناك هرمونات عديدة لها دورٌ بارزٌ في تقوية السمع أو إضعافه، وأخيراً اقتنصت الأذن اهتمام الباحثين فيما يعرف بالعلاج الأذني Auricular therapy.
       هناك إشارات تاريخية لاستخدام علاجات عصبية من قِبل أبقراط، "أبو الطب الغربي" ونموذج للأطباء القدماء، الذين عاشوا حول عام 460 قبل الميلاد. وخلال دراسته في مصر، تعلم وعالج أبقراط الضعف الجنسي عن طريق ممارسة الفصد على عروق السطح الخلفي للأذن، استمر في ممارسته وتدريس هذه الطريقة في مدرسته الطبية في مسقط رأسه "جزيرة Kos اليونانية" حتى مات. لكن علماء العصر الحديث افترضوا أن التأثير العلاجي كان ليس بالضرورة بسبب الفصد نفسه ولكن ربما يرجع لتحفيز الأذن.
أما بحارة البحر الأبيض المتوسط ​​فقد كانوا يرتدون الأقراط الذهبية على الفصيص المركزي للأذن ليس فقط من أجل الزينة ولكن أيضا لتحسين البصر.  
في عام 1636 م وصف الطبيب البرتغاليLusitanus Zactaus " علاج آلام أسفل الظهر وعرق النَسا عن طريق كي الأذن،
بعد حوالي ستين عاماً وفي 1717م، أعلن الطبيب الإيطالي " Antonio Maria Valsalva تَوصُله إلى نقاط جديدة على الأذن لتخفيف ألم الأسنان عن طريق الكي. ووصف ذلك في كتابه الشهير " De Aure Humana Tractatus ".
 في العام 1810 م أعلن البروفيسور " Ignazio Colla أدعاء مريض زوال الألم من ساقية بلدغات النحل في أذنيه.     
من حوالي العام 1850م فصاعدا، انتشرت دعاية كبيرة حول كي الأذن الذي أُستخدم أساساً لتخفيف آلام الأسنان أو خلعها بالكامل. كما تم علاج اختلال عصب الوجه أيضا بهذه الطريقة. ولكن لعدم قابلية التفسير العلمي آنذاك، بدأت تلك الطرق في الاندثار النسيان.
وللحديث عن العلاج الأذني حاولنا أن نوثق ما ننشره بالرجوع إلى الأوراق العلمية الُموثقة في الدوريات العلمية المتخصصة؛ فعثرنا على 18300 بحث منشور في الدوريات العالمية حول العلاج بالوخز بالإبر منها 836   بحث متخصص في "العلاج الأذني بالوخز بالإبر" حتى العام 2013. وحالياً تضاعفت هذه الأرقام حتى قاربت 169 ألف ورقة علمية منشورة في هذا المجال، ما دعانا للعدو في هذا المضمار.
فما هو العلاج الأذني بالوخز بالإبر؟
بصفة عامة، يعود أصل الوخز الكلاسيكي بالإبر إلى الطب الصيني التقليدي ويُعتقد أنه يُمارس كعلاج طبي منذ حوالي 2500 عاماً؛ عن طريق إدخال الإبر في الجلد في نقاط مُحددة. ويستند ذلك على مبدأ تشى " Qiالذي يُوصَف "بقوة الحياة الحيوية" والذي يُولد الشخص به ويتطور خلال حياته.  يتبع نظام تشي دورة حلزونية أو مسارات حيوية في جسم الإنسان تسمى خطوط الطول؛ ترتبط هذه المسارات الحيوية بالأعضاء الداخلية ووظائفها الفسيولوجية والصحية والمرضية، هذه الشبكة الحيوية تتصل بسطح الجسم التي تحدد عليه نقاط التحفيز التي تؤثر وتتأثر بالأعضاء الداخلية، وما يبرهن هذا النوع من العلاج الوشم الذي وُجِدَ على جسم رجل الثلج - يعتقد العلماء أنه عاش قبل 5200 عاماً - والذي تم العثور عليه في جبال الألب المُكتشف في العام 1991م.
العلاج الأذني الكلاسيكي بالوخز بالإبر فيعتمد على تحفيز نقاط مُحدده على صيوان الأذن Pinna تلك النقاط يعتقد أنها مرتبطة بخطوط طول الجسم سالفة الذكر، تلك الطريقة كانت قاصرة على تخفيف الألم فقط.
الوخز  الأذني الحديث فهو  عبارة عن نظام تشخيص وعلاج يعتمد على تطبيع الخلل في الجسم عن طريق تحفيز نقاط الوخز بالإبر على الأذن الخارجية، ولا يعتمد على الطب الصيني التقليدي، ولكن على افتراض طبيب الأعصاب الفرنسي بول نوجير  "Paul Nogier الذى فاجأ العالم بنتائج تجاربه السريرية للعلاج الأذني في مقالته العلمية الشهيرة قبل اكثر من ستين عام (1957 م) مستنداً في تجاربه إلى علم الأمراض وإسقاط شكل الجنين في الرحم  على شكل صيوان الأذن، وسرعان ما ظهر اكتشافه للملأ بنشره ما أطلق عليه إشارة الأوعية الدموية اللاإرادية، التي تُعد تغير واضح في شدة النبض حيث من السهل الشعور بالنبض بطرف الإبهام على الشريان الكعبري.
لكن وكما أشار Nogier فإن هذه الإشارة لا ينتج عنها إلا إدخال معلومات جديدة في المجال الكهرومغناطيسي  للمريض. ثَابَرَ Nogier في العمل على مبدأ مطابقه الرنين فأعلن إمكانية استخدام هذه الإشارة لمعرفه النقاط النشطة في النظام المصغر micro-system للأذن.
اكتشف نوجير العشرات من نقاط التحفيز على صيوان الأذن التي استخدمها في التشخيص والعلاج مطوراً بذلك خرائط الأذن الصينية  الأصلية (حيث افترض الصينيون القدماء وجود  132 نقطة على صيوان الأذن مرتبطة ارتباطا وثيقاً بقنوات المسارات الحيوية المرتبطة بأعضاء الجسم الداخلية ،مما مكنهم من علاج العديد من الاعتلالات الصحية)،  وقد اكتشفت التطورات التي أجريت في ألمانيا  من قبل "فرانك بحر و وبيت ستريتماتر" أن نقاط التحفيز علي الأذن تكون متسقه في نفس المواقع مهما كان المستوى المزمن . وقد تطور الطب الأذني الألماني إلي نظام يستخدم الترددات لتقييم وعلاج الحالات على وجه خاص، مما يسر دمج نظام وخز الإبر الصيني ورسم الخرائط لكل أذن. وحاليا أُدخل الليزر منخفض المستوى في أنظمة العلاج الأذني على  نطاق واسع في ألمانيا، حيث يُستخدم الليزر منخفض المستوى LLLT   في تخفيف الآلام أو لتحفيز  وتعزيز وظيفة الخلية، بينما يستخدم الليزر مرتفع الطاقة في قطع أو تدمير الأنسجة .
ويتبنى بعض العلماء نظرية علميه للعلاج الأذني بالوخز مفادها أن الأذن مرتبطة بالجهاز العصبي المركزي Central nervous system (المخ والنخاع الشوكي (brain and spinal cord سالكا طريق العصب الحائر (العاشر) والعصب الوجهي (السابع)، ومن خلال هذه الوصلات العصبية يمكن التأثير في أعضاء الجسم ووظائفه المختلفة، وبالتالي تُعالج العديد من الاختلالات والإضرابات الصحية عن طريق وخز صيوان الأذن في نقاط التحفيز.  ومن الأمراض التي يمكن معالجتها، الصداع والألم المزمن المرتبط بعرق النسا، وهشاشة العظام، آلام مفصل الركبة، كسر الورك ومفصل الورك والأورام السرطانية وكذلك زيادة الوزن (السمنة) وقلته (النحافة) ويمكن أيضا السيطرة على الأزمات التنفسية وآلام المعدة واضطرابات النوم (الأرق) الذي ثبت نجاح العلاج الأذني في السيطرة عليه.
برغم أن استخدام هذه الطريقة في علاج الأمراض يحتاج إلى براهين طبية وتوثيقات بحثية لتطويره والاستفادة منه أقصى استفادة، لكن المؤكد أن العلاج الأذني يخلو من الأثار الجانبية والأضرار الصحية مما يضفي عليه درجة من الأمان.

الكينوا - حبة الأنديز الذهبية



الكينوا - حبة الأنديز الذهبية
معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية - مصر
الكينوا نبتة أنديزية نشأت أصلاً في المنطقة المحيطة ببحيرة تيتيكاكا في بيرو وبوليفيا وتوجد الكينوا كنبات محلى في جميع بلدان جبال الأنديز، من كولومبيا إلى شمال الأرجنتين وجنوب شيلي ومنها انتشرت إلى الولايات المتحدة. ولكن زراعة الكينوا تجاوزت حدود القارات حيث تجري زراعتها في فرنسا وإنجلترا والسويد والدنمارك وهولندا وإيطاليا. كذلك حققت الكينوا إنتاجية عالية في كينيا وصلت إلى 4 طن حبوب للهكتار، كما نمت بصورة جيدة في جبال الهيمالايا وسهول شمالي الهند ولازالت زراعة الكينوا آخذة في الانتشار، حيث باتت توجد الآن فيما يزيد على 70 بلداً.
 ما هي الكينوا؟
تتشابه هذه النبتة كثيرا مع نبات السبانخ، وتنمو على ارتفاع ما بين 3000الى4000 متر، وبإمكانها أن تنمو أيضا على ارتفاعات أكثر من الحدود القصوى لزراعة الذرة، الأمر الذي يجعلها ثمينة بصورة خاصة لسكان المناطق العالية. وتنمو الكينوا في المناطق الباردة الجافة والقاحلة مما قد يجعلها تجود في سلاسل جبال سيناء والبحر الأحمر. وهي نبتة كبيرة (ترتفع حتى المتر وثمانين سنتيمتراً) تحمل أورقاً عريضة وسنابل مع أزهار صغيرة حمراء تعطي كل واحدة منها حبة بيضاء مدورة ومبسطة، ويؤكل منها عادة الأوراق والبذور.
كانت الكينوا، مثلها مثل البطاطس، أحد الأغذية الرئيسة لشعوب جبال الأنديز قبل عصر الإنكا. وتعتبر محصولاً غذائياً هاماً لدى الحضارات الكولومبية في أمريكا اللاتينية ولا تزال كذلك ويطلق عليها "الحبّة الأمّ" أو الحبّة الذهبية لجبال الأنديز، وقد اختفت لفترات طويلة جدا لأن المحتلين الأسبان في ذلك الحين منعوا الهنود من زراعتها نظراً لاعتقادهم بأنها مصدر قوتهم في الحروب، فكانوا يفرضون عقوباتٍ كبيرةً جداً على الأشخاص الذين يقومون بزراعتها. وبحسب تقاليدهم يجري تحميص لحبوب الكينوا ثم طحنها حتى تصبح دقيقاً تصنع منه أنواع مختلفة من الخبز. كما يمكن إضافتها إلى الشوربات، واستخدامها كأحد أنواع الحبوب، وتجهيزها كعجائن، بل ويمكن كذلك تخميرها لتصنع منها البيرة، والتشيتشا وهو المشروب التقليدي لسكان الأنديز. وعند طهيها تكتسب الكينوا نكهة تشبه نكهة الجوزيات.
 الكينوا كغذاء
تعتبر الكينوا من فئة البذور (من الخضار) لكنها تؤكل كواحد من محاصيل الحبوب المغذية فهي خفيفة ولذيذة المذاق وسهلة الهضم، ولها مذاق شهي جدا. كما أنها ذات قوام يتيح إضافتها كنكهة إلى أية وصفة طعام، كما تشكل الكينوا بالنسبة إلى البعض غذاء جديداً ومغذياً. وأصبح متاحاً في الآونة الأخيرة في المحال الكبرى كبديل عن عدد كبير من الحبوب المستهلكة في العادة. وتمتاز الكينوا بكونها من البذور التي تؤكل على غرار الحبوب. وغالباً ما يتمّ طهيها وإضافتها إلى الحساء أو تُطحن للحصول على دقيق يُستخدم لصنع الخبز أو الشراب أو المساحيق.
أما من ناحية القيمة الغذائية، فالكينوا شبيهة من حيث الطاقة بالأغذية المماثلة لها كالفاصوليا والذرة والأرز والقمح. وبالإضافة إلى ذلك، تشتهر الكينوا في أنها مصدر جيّد للعديد من المغذيات، ومن المهمّ تناولها كجزء من وجبة متوازنة إلى جانب العديد من أنواع الطعام الأخرى للحصول على تغذية جيدة بشكل عام. وتتميز حبوب الكينوا بأنّها أغنى مصادر البروتين من جميع الأغذية، حتى أنّها تفوق النسبة الموجودة في الحليب أو اللحوم الحمراء، إذ إنّها تحتوي على معظم الأحماض الأمينية الضرورية للجسم، ومحتوياتها سهلة الهضم والامتصاص على عكس اللحوم، كما أنّها حبوب غنية جداً بالألياف، وبنفس الوقت فهي خالية تماماً من ماّدة الجلوتين التي تسبّب الحساسية لبعض الأشخاص جرّاء تناولهم للقمح أو الحبوب الأخرى، وإضافة إلى ذلك فهي تحتوي على نسبة عالية من المعادن، مثل الحديد، والصوديوم، والمغنيسيوم، والفسفور، والنحاس، والمنغنيز، والبوتاسيوم، والليسين، إضافة إلى فيتاميني أ و ب، ومجموعة كبيرة من مضادات الأكسدة والدهون غير المشبعة.
 الكينوا والصحة
أما عن فوائد الكينوا الصحية فهي كثيرة حيث تساعد بذور الكينوا على تسهيل عملية الهضم وتخليص الجسم من الفضلات، وتكافح الإمساك وتنشط إنتاج البكتيريا النافعة في الجهاز الهضمي، كما تفيد في علاج التهاب الأمعاء. وتمنع تكون حصى المرارة وتنشط عمل الكبد وتخلصه من السموم المتراكمة، كما تقي الشرايين من التصلب وتمنع تجلّط الدم وتفيد في خفض ارتفاع ضغط الدم، كما أنّها تساعد على ضبط نسبة السكر في الدم، وتقاوم نموّ وانتشار الأورام السرطانية لاحتوائها على مضادات الأكسدة الفعالة كما تساعد على إنقاص الوزن ومكافحة السمنة المفرطة وتساهم في تنشيط الجسم ومنع الشعور بالتعب والإرهاق، ومدرّة للبول وتنشّط عمل الكلى وتخلّصها من الحصى والترسبات.

الطاقة المتجددة


الطاقة المتجددة


معهد بحوث الهندسة الزراعية - مركز البحوث الزراعية - مصر
مع قلة الموارد الطبيعية للطاقة من الخشب والفحم والبترول والغاز الطبيعي، ومع ارتفاع معدل التلوث البيئي الناتج عن استخدام تلك الطاقة والتقدم الصناعي المتزايد لتلبية احتياجات الإنسان، كان من الضروري البحث عن مصادر جديدة للطاقة، بشرط أن تكون أقل تلوثا ومتجددة.
تعريف الطاقة المتجددة
وأبسط تعريف للطاقة المتجددة هو أنها مصادر إمداد طبيعي دائم للطاقة دون أن تفنى أو تستنفد، ولا تسبب أضرار بالبيئة وتبقى في حالة مستمرة من التجدد، ويمكن أن تتحول من شكل إلى آخر، فمنها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية والطاقة الحيوية.
مميزات وعيوب الطاقة المتجددة
من مميزات الطاقة المتجددة أنها طاقة متواجدة ومتوفرة في معظم أنحاء العالم فلا تحتاج وسائل لنقلها، ولذا ويمكن استخدامها في الأماكن النائية، كتعمير المناطق الصحراوية. وبالإضافة لتوفير فرص عمل للشباب، فإن الآليات المستخدمة في الحصول على هذه الطاقة غير معقدة، كما لا ينبعث عنها المتلوثات بالشكل الكبير الذي نراه في مصادر الطاقة التقليدية، حيث ينخفض معدل التلوث الأرضي والمائي والجوي والنباتي والحيواني، والنتيجة - بيئة نظيفة مع طاقة لا تنضب ولكنها تتجدد، وعليه فلا حاجة للبشرية للتصارع والحروب للحصول عليها فهي قابلة للتجدد مرة أخرى، كما أنها ملك للجميع، فليست حكرا على فئة أم شعب بعينه، ومع تطور التقنيات الحديثة في شتى المجالات سيصبح من السهل استغلال هذه الطاقة بشكل أمثل وأقل كلفة.
ولكن يعاب على بعض طرق استغلال الطاقة المتجددة بأنها ذات تكلفة عالية بسبب عدم توفّر الآليات والتقنيات اللازمة بشكل يسهل الحصول عليها، إلّا أن هناك عدداً كبيراً من الدول بدأت باستغلال تلك الطاقة، وعليه بدأت المصانع بالاتجاه الى إنتاج آليات تناسب الاحتياجات السوقية في ذلك المجال، كما قامت معظم الدول بمشاريع استثمارية للطاقة المتجددة، والعمل على تطويرها وتنميتها.
أنواع الطاقة المتجددة
·       الطاقة الشمسية: حيت يمكن الاستفادة من الطاقة الشمسية في الحصول على الطاقة الحرارية والكهربية.
·       طاقة الرياح: وهي تستخدم لإمداد الآليات بالطاقة الحركية وبالتالي تحويلها الى طاقة كهربائية   أو استخدامها مباشرة.
·       الطاقة الكهرومائية: ويستخدم هذا النوع من الطاقة المياه في الحصول على الكهرباء، وذلك من خلال استغلال طاقة الوضع الكامنة في المياه وتعتبر طاقة نظيفة خالية تماما من الملوثات البيئية وقليلة التكلفة نظراً، كما أن آلياتها سهل الصيانة والتركيب.
·       طاقة المد والجذر: وفيها يتم استخدام الطاقة الكامنة في الأمواج نتيجة الارتفاع والانخفاض في ادارة التوربينات.
·       الوقود الحيوي: ويعتبر الوقود الحيوي في الآونة الأخيرة منافساً جيداً للطاقة المستنفذة وهو يساعد على انتاج وقودا حيويا أقل تلوثا، وتستمد الطاقة من المادة العضوية التي تعمل على تخزين الأشعة الشمسية ثم تحويلها إلى طاقة كيمائية، وقد تكون هذه المصادر عبارة عن مخلفات نباتية أو حيوانية أو زيتية أو سكرية.
ويعتبر الوقود الحيوي منافساً قوياً للنفط في ضوء ارتفاع أسعار النفط، مما يؤدي إلى المساهمة بشكل فعال في خفض أسعاره واعتدالها وعدم المنافسة بين الدول في الحصول على أكبر قدر منه لأن هناك بديل، ونظراً لأن الوقود الحيوي يلعب دوراً هاماً في الحفاظ على البيئة وبالتالي الحفاظ على الصحة العامة، لذلك تسعى معظم الدول المتقدمة لزيادة معدلات الإنتاج منه، ومن أكثر النباتات المستخدمة في إنتاج الوقود الحيوي المستدام قصب السكر، والطحالب والجوجوبا.