كلية أصول الدين والدعوة – جامعة الازهر
ظهر مصطلحُ "العولمة" إبان سقوط "الاتحاد
السوفيتي"، وشاع في الوطن العربي كأحدِ أدبيات ومفردات ما يسمى بـ
"النظام العالمي الجديد"، وتَعْني العولمةُ بشكل عام: إكساب الشيء طابع
العالمية؛ لدمج ثقافات
العالم واقتصادياته وسياساته وفق النموذج الأمريكي بشكل خاص.
ولقد
أثار اختفاءُ القطب السوفيتي ردودَ أفعالٍ عالمية، ودارت أسئلةٌ كثيرةٌ لها مُسَوِّغاتٌ
في كتابات الباحثين.
ماذا سيكون شكل العالم بعد تربع أمريكا على عرش العالم؟
وهل تستطيع دولة ما أن تنافسها وتحل محل الدولة الثنائية؟
هل تسمح أمريكا بظهور قوة أخرى تنافسها في سيادة العالم؟
بدأ الامرُ يتضح شيئًا فشيئًا، حينما جرت أحداثٌ في العالم إبان تلك الحقبة، والتي
كان أولها حرب الخليج الثانية، وظهور مصطلح "النظام العالمي الجديد".
ففي الرابع والعشرين من يناير سنة 1990م حدد
الرئيس الأمريكي "جورج
بوش الأب" المفهوم الأمريكي للنظام العالمي في خطابه السنوي الذي يقدمه كلُّ
رئيس أمريكي في بداية كل عام أمام الكونجرس، فقال:
"إن الولايات المتحدة تقف
على أبواب القرن الواحد والعشرين، ولابد أن يكون هذا القرنُ الجديدُ أمريكيًا
بمقدار ما كان القرن الذي سبقه وهو القرن العشرين قرنًا أمريكيًا".
وقد أشار "نعوم تشومسكي" إلى أن "جورج
بوش" قد استخدم هذا التعبيرَ كقناعٍ
بلاغيٍّ لحربه في الخليج حيث قال: "إن الولاياتِ المتحدةَ ستقودُ نظامًا
عالميًا جديدًا تتوحدُ فيه مختلفُ الأممِ على مبدأ مشترك".
وقد تزامن سقوط "الاتحاد السوفيتي"
مع ظهور نظريتين كانتا
بمثابة تحديدٍ لمعالم النظام العالمي الجديد بعد انتهاء الحرب الباردة بين المعسكر
الشرقي الشيوعي، والمعسكر الغربي الرأسمالي، وهاتان النظريتان هما: (نهاية
التاريخ، وصراع الحضارات)
فنهاية التاريخ لـ "فوكوياما" اعتبر
أن الصراع العالمي سوف يزول من
العالم، وستسود الديمقراطية بعد انتهاء الحرب الباردة، وقد رد على هذه النظرية
"هنتنجتون" في مقالةٍ بعنوان "صراع الحضارات" - وقد أصبحت تلك المقالة كتابا فيما بعد- وقد رأى
"هنتنجتون" أن الصراع باق ابدًا، وأن الثقافاتِ هي التي ستحركُ ذلك
الصراعَ، فرأى أن كل دولة ستسعى لحماية ثقافتها ثم تتحرك لتفرضَ تلك الثقافة، وأن
الدولَ التي لها ثقافاتٌ متشابهةٌ يُمْكِنُها تكوينُ تكتلٍ قويٍ يُمْكِنُ من خلاله
مجابهةَ الثقافاتِ الأخرى.
وأيًا ما كان، فإن ثمة مصطلحًا بدا في الأفق
قبل ذلك وهو مصطلح "الحكومة العالمية الجديدة" الذي أشار إليه "وليام غاي كار" (1895- 1959م)
" صاحب كتاب أحجار على رقعة الشطرنج، وهو قائد في قوات البحرية الكندية.
بيد أن الإيحاءات السلبيةَ في ذلك المصطلح
الأخير واضحةٌ أكثر من غيرها،
وهو ما سطَّره الكاتبُ في كتابه، وبيَّن أن الغرض هو السيطرةُ على مقدرات الأمم،
والسيطرةُ على الأجهزة الإعلامية وتقسيمُ الشعوب إلى معسكرات متنابذة تتصارع إلى
الإبد.
لقد تأثرت دول كثيرةٌ بالنظام العالمي الجديد، حتى حدا ببعض المثقفين أن يقول:
"إننا
عزمنا على أخذ ما عند الغربيين حتى الالتهابات في رئتهم والنجاسات التي في
أمعائهم".
هل كانت مقولة ذلك الكاتب إرهاصة لميكروب
عالمي يصيب الرئة حتى
يقول هذا الكلام؟ يمكن أن نطلق عليه في الوقت الحالي "العولمة
الميكروبية".
حيث تشير بعض الأجهزة أن فيروس
"كورونا" تمت صياغته في مختبرات؛ لإعادة صياغة شكل العالم من جديد.
وهل يمكن التعامل مع النظام العالمي الجديد بالاقتصار على
إيجابياته وطرح سلبياته؟ على حد قول الزعيم الهندي "غاندي" حينما قال:
"أريد أن تَهبَّ ثقافاتُ
كلِّ الأرض بمحاذاة منزلي وبكلِّ حرية، لكنني أرفضُ أن أنقلبَ بهبوب أية
واحدة منها".
تلك بعضُ تساؤلاتٍ تحتاج إلى وقفةِ تدبرٍ وتأمل.
أما أنا فأتمثلُ قول "المُتَنَبِّي"
الشاعر الكبير:
أَنَامُ
مِلَء جُفُوني عن شَوارِدِها ... وَيَسْهَر الخلقُ جَرَّاها وَيَخْتَصمُ







