الثلاثاء، 7 أبريل 2020
الاثنين، 6 أبريل 2020
أفضل ما في الحياة
أفضل
ما في الحياة
أ.د. وسام الدين إسماعيل
معلوم أنه لا خلود
في الدنيا، وأن الميلاد هو أول الطريق إلى الفناء، فكل يوم هي خسارة من رأس المال
(العمر)، وهذه سنة كونية، فالموت شامل لكل الأحياء، إذ لا مفر منه. يقول طَرَفة بن العبد:
أرى الموتَ يَعتامُ الكرامَ وَيَصْطفي ... عَقيلَةَ مالِ
الفاحِشِ المُتَشَــدِّدِ
أرى العيشَ كنزاً ناقِصاً كلَّ ليلةٍ ... وَما تَنْقُصِ
الأيامُ والدَّهرُ يَنفَـدِ
لَعَمْرُكَ إنَّ الموْتَ ما أخطأَ الفتى ... لكالطِّوَلِ
المُرْخَى وَثِنْياهُ باليَـدِ
ومع هذا،
فكم هي لذيذة تلك الحياة، لا شك أنها تذخر بكل النعم، ولا شك أيضاً أنها مليئة بكل النقائض، بل وما لا حصر له من المتاعب،
وفي ذلك كله يكون هناء العيش. نعم هكذا الدنيا، فلا عجب أن تجد نسبة الانتحار مرتفعة
عند من لا يدينون بدين، ومن ليس عندهم مشاكل بالمعنى الحرفي، فلا عناء ولا هدف، مع
ملذات لا منتهى لها، تخيل مدى المعاناة والخواء الروحي والنفسي الذي يعيشه هؤلاء
البشر. لذا فإن لم يكن للمرء دين في دنياه مع عالمه الخاص بأهدافه وخياراته من كل
تلك النعم والمتاعب والنقائض، فلا قيمة للحياة، عند ذلك، يكون أمتع وألذ وأفضل ما
فيها... هو "الموت والرحيل". إذ لا جدوى ولا هدف ولا متعه.
لكن، هل من السهل
الرحيل؟ المثير للسخرية، أن الموت ليس متاحا حتى لو كان أمنية، هذا ناموس
الدنيا. القرار، بل والزمان والمكان، ليسوا محل اختيار، الأمر يحتاج وقفه. ولنعدل السؤال ليكن عن كيفية الرحيل والموت؟ بالطبع ليست دعوة للانتحار، ولكن تخطيط لما بعد الحياة،
فلعلى بن أبي طالب:
النَفسُ تَبكي عَلى الدُنيا وَقَد عَلِمَت ... أنَّ السَلامَةَ فيها تَركُ ما فيها
لا دارَ لِلمَرءِ بَعدَ المَوتِ يَسكُنُها ... إِلّا
الَّتي كانَ قَبلَ المَوتِ بانيها
فَإِن بَناها بِخَيرٍ طابَ مَسكَنُها ... وَإِن بَناها
بَشَرٍّ خابَ بانيها
فالكل سيموت لا محالة، شاء
أم أبى. والسؤال، كيف أموت باحتراف؟ والاجابة بسيطة وربما
يعرفها الكثير وخصوصاً من المسلمين. فلابد للإنسان أن يموت واقفًا، مستمرًا في عطائه،
لا ينتظر أن يأخذ، بل يستمر في العطاء ودعم الاخرين، فهذه مسؤولية لا تنتظر دعم
أحد إلا الله. لابد من ترك أثر، تمتد به الحياة بعد الممات، لا من أجل ذكرى ولا من
أجل تخليد في الدنيا، ولكن أثرًا تتركه للخلود في الآخرة. نِعْمَ الموت الذي له
مغزى أو هدف، فالموت للمسلم هدف في حد ذاته.
روى مسلم في صحيحه
عن أنس بن مالك، رضي الله، في غزوة بدر لما دنا المشركون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قوموا إلى
جنة عرضها السماوات والأرض"، قال: عمير بن الحمام الأنصاري رضي الله عنه: يا
رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: "نعم"، قال: بخ بخ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يحملك على قول بخ بخ؟!"، قال: لا
والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: "فإنك من أهلها"،
فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه
إنها لحياة طويلة! فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتل.
نعم إنها لحياة طويلة، تلك الدقائق المعدودة؛ التي تحول بينه
وبين الجنة. هكذا يجب أن يكون الموت بِحِرفية واتقان. لذا
في عصرنا هذا وبرغم ما تعانيه البشرية من نزاعات وحروب وتفش للأمراض وغيرها، لا بد
أن يكون للإنسان من أي مما سبق نصيب، وأفضلها أن يكون لموته هدفًا، فإن عجز أن يفوز
ويظفر بإحداها، فساعتها تكون هناك أمنية واحدة، وعليه أن يحققها ... الموت في صمت.






