الخميس، 17 ديسمبر 2020

دور متاحف الطفل فى تنمية الوعي الاثرى وتأكيد الهوية الوطنية لدى الطفل المصري

 


دور متاحف الطفل فى تنمية الوعي الاثرى وتأكيد الهوية الوطنية لدى الطفل المصري

د/ محمود المحمدي عبد الهادي سلامة

دكتوراه الارشاد السياحى – جامعة المنصورة

كلمة متحف في اللغة العربية تعني مقر دائم لخدمة المجتمع، وفي اللغة الانجليزية تعنى museum  ، والتي ترجع اصلها إلى الكلمة اللاتينية Musain  ، والتي تعنى باللغة الإغريقية Muse  أي مقر الربات، حيث تم إنشاء أول متحف العالم في مدينة الإسكندرية في عهد الملك بطليموس الأول وذلك حوالى عام 304 -285 ق .م وقد اتخذا الملك بطليموس الأول هذا المكان لحفظ النفائس والقطع الفنية التاريخية وأيضاً حرص على صيانتها بصحة دورية.

وتعد المتاحف مؤسسات ثقافية ذات قيمة معنوية في المجتمعات المتحضرة التي تدرك المعنى الحقيقي للأبعاد التربوية وتصمم خصيصاً لرعاية وحفظ وعرض التراث الوطني، وهي تساعد على تحديد وفهم ثقافة المجتمعات وعلاقة الشعوب ببعضها البعض، كما أنها حافظة للذاكرة، كما أن المتحف يثمن قيمة الماضي ويربط الأمس بواقع اليوم.

وتعد المتاحف من أهم مصادر التعليم فى العالم حيث تعمل على تعزيز العملية التعليمية لدى الطفل عن طريق الخبرات الملموسة حيث يعد المتحف معهد للعلوم ومركز للثقافة ومدرسة للفنون المختلفة وفي نفس الوقت حيث يعمل على تقديم المعلومة فى إطار ترفيهي يتناسب مع القدرة الإستيعابية للأطفال فى تلك المرحلة العمرية التى تعتمد على تبسيط المعلومة. في بداية القرن العشرين- وبالتحديد فى الربع الأول منه أثناء الحرب العالمية الأولى في أوروبا - أدت المتاحف دوراً مهماً فى توفير الوسائل التعليمية المدرسية للأطفال، وفى توصيل أفكار ثقافية مهمة من خلال المعارض التي خصصت لتعليم العامة.

     ومن هذا المنطلق فإن المتاحف وما تحتويه تعد وسيلة جاذبة للأطفال، فتنمي عقولهم، وتساعدهم على الاستكشاف والاستنتاج، وتمهد لهم الطريق للتفكير الصحيح، والولاء للوطن الذي ينتمون إليه.

       ويعتبر متحف بروكلين بنيويورك الذي تم الذي تم إنشائه عام 1899 أول متحف للأطفال فى العالم وتبعه بعد ذلك متحف الأطفال فى بوسطن عام 1930 وكان الهدف من إنشاء متحف الطفل هو جلب السعادة للأطفال ومنحهم مكاناً يجعل بإمكانهم تنمية مهاراتهم وتوسيع مداركهم حول أي جانب من جوانب المعرفة التى يتلاقها الطفل في المرحلة الابتدائية.

وما يميز متاحف الطفل هو عرض المقتنيات بطريقة الابعاد الثلاثية وان متحف الطفل يجب ان يكون مصمم على طريقة التماس والتلامس أي يسمح للطفل بالتعلم عن طريق الاقتراب من الأثر المعروض ولمس الأشياء وليس فقط عن طريق الرؤية وهذا النوع من المتاحف يختلف عن المتاحف التقليدية التى لا تسمح لأحد بلمس قطع الأثر التى يحيوها المتحف لذا يجب ان تكون القطع الموجودة فى متحف الطفل قطع تشبه وتضاهى القطع الاصلية لكى يسمح للطفل بلمسها ورؤيتها لكى يصل مفهومها إلى الطفل فى هذا السن الذي يعتمد على فحص الأشياء ولمسها للقدرة على فهمها والتوصل الى محتواها لإشباع رغبة الطفل التى تعتمد على التسلية والترفية .

وتتركز الأهداف الأساسية لمتحف الطفل فى إيقاظ اهتمام الطفل واستيعابة للبيئة المحيطة له، وتساعد متاحف الطفل المدرسة فى طرق التعليم والتعلم المختلفة وتعمل على ملىء أوقات الفراغ للطفل الذى بالطبع ينجذب الى كل ما هو جديد وفريد ، وتساعد أيضاً على تنمية إعجاب الأطفال بالفن والعلم، وتوفر الفرصة للطفل في البحث والتجربة، وترفع مستوى الفهم لدى الطفل وبالتالي سوف تؤدى الى جذب الطفل الى أصول حضارتهم وفهمها ومعرفة الحقب التاريخية المختلفة التى مرت بحضارتهم مما يؤدى الى تأكيد وتوكيد الهوية الوطنية للطفل فى هذه المرحلة التى تكون من أهم مراحل تكوين شخصية الطفل.

ولعل من أهم المتاحف المخصصة للطفل فى مصر هو متحف الطفل التابع لجمعية مصر الجديدة والذي يسمى مركز ابداع الطفل للحضارة والإبداع حيث يعتبر أكبر مركز تعليمى ترفيهى فى مصر والشرق الأوسط وإفريقيا مخصصاً للطفل، ومقام باستخدام أعلى تكنولوجيا التعليم والتعلم الغير مباشر فى العالم ويتبع سياسات التربوية الحديثة التى تعمل على تأصيل الهوية الوطنية.

ويتكون المتحف من طابقين يحتويان على قاعات عرض خاصة بالتاريخ الطبيعى والحضارى لمصر منذ العصور المبكرة وحتى عصرنا الحالي، ويوجد به أيضاً قاعة محاكاة لمقبرة الملك الذهبى توت عنخ آمون، وقاعة الاكتشافات التى تسمح للطفل بالكشف عن الأثر وكيفية العناية به والحفاظ عليه مما يعمل على رفع الوعي الأثري والسياحي لدى الطفل المصري حيث يتم عرض مراحل الكشف عن الأثر منذ أن يتم الكشف عنه بواسطة المتخصصين ومراحل ترميمه وعرضه في المتاحف المتخصصة.

ولعل قاعة الاكتشافات الأثرية تحقق رغبة الطفل فى عملية لمس الأثر الذي بالطبع يكون نموذج طبق الأصل من الأثر الحقيقى فتشبع رغبته فى التسلية والرفاهيه ومزج الحقيقة بالخيال مما يؤدى التى تعظيم دور الأثر فى المفهوم الوطنى للهوية الوطنية الطفل ويثمن دور الأثريين فى الكشف عن آثار الاجداد مما يساعد على تأكيد الهوية المصرية وتنمية الوعي الأثري للطفل فى مرحلة مبكرة سوف يكون لها مردود واسع فى المستقبل على تكوين شخصية الطفل.

وبالنظر الى قاعة محاكاة مقبرة الملك توت عنخ آمون الموجودة فى المتحف فتعمل هذه القاعة على تعريف الأطفال بأهم ملوك مصر القديمة والذي ترجع أهميته الى اكتشاف مقبرته كاملة عام 1922 ومن هذا المنطلق يتعرف الطفل بأصغر ملك توج على عرش مصر فقد توج الملك توت عنج آمون ملكاً على مصر في سن التاسعة أي في سن الطفولة، وهو نفس سن زوار هذا المتحف المخصص للأطفال فتعمل هذه القاعة على رفع طموح الطفل ومواصلة العمل للوصول الى هدفه المنشود فى الحياة لكي يكون فرد صالح في المجتمع المصري.

ومن الملاحظ عند زيارة هذا المتحف مدى الاهتمام باختيار ارتفاع عرض القطع التى تتناسب مع مستوى ارتفاع العين عند سن الأطفال من 9 الى 10 سنوات حيث تكون رؤية القطع المعروضة ممكنة فى حالتى الوقوف والجلوس وايضاً مزج ألوان مرحة وطرق شرح مبسطة مكتوبة على القطع كما أن كل قطع يتم عرضها لا تتعارض مع الموضوعات المختلفة التى تتناولها القطع الأخرى حيث يراعى عدم تكرار القطع فى عرض الموضوعات المختلفة.  

وتتنوع طرق الإرشاد داخل المتحف فمنها من تتناول الإرشاد العام المختص بعرض مناسبات قومية مثل الأعياد القومية التى يتم فيها الإرشاد للجميع سواء الأطفال أو البالغين ويكون المحتوى الإرشادي الموجه من المرشد المرافق مناسب الى الجميع حيث لا يتم استخدام المصطلحات التى لا يستطيع الطفل إدراكها وفهمها، وأيضاً يوجد نوع آخر من الإرشاد هو الإرشاد عن طريق موضوع معين، ويكون هذا النوع موجه إلى الأطفال صغيري السن، ويتم استخدام المصطلحات الإرشادية المبسطة التي تصل إلى إدراك مفهوم الطفل دون التكلف فى الشرح وتبسيط المعلومة.

ولعل من أهم طرق الإرشاد التى تساعد العرض المتحفى لتأكيد الهوية المصرية فى شرح وعرض التاريخ المصري تلك التى تعتمد على الاسئلة المبسطة الموجه للطفل، ومثال على ذلك بعد عرض مجسم أبو الهول وشرح تاريخة وكل المعلومات التى تتلخص فى معلومة (كان أبو الهول يصور الملك المصرى بجسد حيوان وراس إنسان) وبعد ذلك يتم توجيه سؤال للاطفال وهو (في تمثال ابو الهول كانت رأس الإنسان يعتمد على جسم الكلب – الحصان - الأسد) فستجد الاطفال تقوم باختيار الإجابة الصحيحة مما يؤدى الى تأكيد المعلومة واستقرارها فى ذهن الطفل.

ومما سبق يتضح لنا ان دور متاحف الطفل دور كبير في تأكيد الهوية المصرية ونشر الوعي الأثري والسياحى فى مصر مما يترتب عليه العمل على زيادة تلك المتاحف فى جميع ربوع مصر وتسليط الضوء على دورها في نشر الوعي الأثري والسياحي، وبالتالي الهوية المصرية الوطنية.

ويمكن استغلال قصور الثقافة المنتشرة فى جميع أنجاء مصر فى تخصيص بعض القاعات لإنشاء متاحف للطفل لسهولة وصول الأطفال إليها لكي تكون نواه لنشر هذا النوع من المتاحف على مستوى جمهورية مصر العربية.