أستاذ
علوم الأغذية
لا
تنزعج إذا رأيت شيخاً ذا لحية كثة أو فتاة تمسح وجهها بجلد الأضحية بعد سلخه
مباشرة، فلا يحمل ذلك تهديدً أو وعيدًا، فما توارثه الناس قلما تجد من يبحث في هذا الموروث؛ هل
له أصل أم اكتسى بثوب البدع؟
تعتقد بعض الفتيات اللاتى تأخر
بهن سن الزواج وذهب بهن العمر بعيداً بأن ربما يكمن الحل في مسح وجههن
بجلد الأضحية؛ فينهال عليهن طالبي الزواج، ويعتقد البعض ان هذه العادة
تُعالج حب الشباب وتزيد الوجه نضارة؛ حيث يعتقدن أن جلد الأضحية يحتوي
على مادة ترطب جلد الوجه وتشده وتجعله أكثر نضارة.
كما روى المؤرخ العلامة عبد الرحمن بن خلدون في كتابيه (تاريخ ابن خلدون،
العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر الجزء الرابع والجزء
السادس) أن "عقبة بن نافع" في فتوحاته للمغرب استهان بالقائد "أكسيل"
أو "كُسيلة بن لمزم" (زعيم قبيلة أوربة (واستخف به خلال اعتقاله.
فأمره يوماً بسلخ شاة بين يديه فدفعها إلى غلمانه، لكن "عقبة" أراد أن
يتولى ذلك الأمر بنفسه بل ونهره، فقام إليها "كسيلة" غاضباً. وجعل كلما
دس يده في الشاة - يسلخها - يمسح بلحيته، والعرب يسألونه ما هذا يا بربري؟ فيقول:
هذا جيد للشعر، فيعقب على ذلك شيخ منهم قائلاً إنه يتوعدكم. وبلغ ذلك أبا المهاجر
دينار فنهى "عقبة" عنه وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستألف
جبابرة العرب، وأنت تعمد إلى رجل جبار في قومه بدار عزة قريب عهد بالشرك فتفسد
قلبه!!! وأشار عليه بأن يحذر منه، فتهاون "عقبة" بقوله.
فلما
انتهى عُقبه إلى "طبنة" صرف العساكر إلى القيروان أفواجاً ثقة بما دوخ
من البلاد، وأذل من البربر حتى بقي في قليل من الناس. وسار إلى "تهودة أو
بادس" لينزل بها الحامية. فلما نظر إليه الفرنجة طمعوا فيه وراسلوا "كسيلة
بن لمزم" ودلوه على الفرصة فيه فانتهزها، وراسل بني عمه ومن تبعهم من البربر،
واتبعوا "عقبة" وأصحابه… حتى إذا غشوه بتهودة ترجل القوم وكسروا أجفان
سيوفهم، ونزل الصبر واستلحم "عقبة" وأصحابه… ولم يفلت منهم أحد.
بعدما أن نشبت معركة بين الفريقين في "بسكرة" جنوب جبال أوراس
بجيش يضم 50,000 جندي يقودهم الملك "كسيلة"، انهزم المسلمون في المعركة
وقتل "عقبة بن نافع" سنة 64 هـ (684 م)، ومثَّلت هذه المعركة نهاية
لمرحلة من الفتوحات الإسلامية بالمغرب.
مات بطلا القصة وبقيت حركة "كُسيلة"، تُجسد التهديد والوعيد
فى شمال افريقيا عامةً وبلاد المغرب العربي خاصة. فعندما يتوعد شخص ما شخص آخر فمسح المُتوعِد على
وجوهه متخذًا اتجاه اللحية ويقول ”ها لحيتي ” أو يُضيف إليها بالدارجة المغربية:
“إلى بْقاتْ فيكْ حَسَّنْ لي” مع تمرير اليد عن اللحية أو بالأمازيغية:”ملا تَقيمْ
ذِكْ حْفايي تْمارتْ” مع تمرير اليد عن اللحية أيضًا.
نخلص أن عادة مسح الوجة بجلد كبش
الأضحية لا يحمل أي فائدة صحية لا للشعر ولا للبشرة، وليس له علاقة
بنضارة البشرة ونقاوتها، ولا يمٌت لسُنة الأضحية
بأى صلة ولا هى عادة دينية إسلامية، بل توارثت بحركة "أكسيل"
متوعدًا بها عقبة بن نافع.
بل ربما تعني
معنى من معاني الدفاع عن الكرامة والحرية لدى الإنسان المغاربي.












