أ.د. وسام
الدين إسماعيل
قصيرة
هي أعمارنا وأقصر منها علمنا، فبقدر ما نتعلم، ندرك أن ما نجهله أكثر، وأن عِلم الإنسان محدود بنفس محدودية قدراته وخبراته، حتى لو أفني عُمره
في البحث والدراسة. لعل من نافلة القول ولحكمة بالغة، أن نقر بأننا لم ولن نطلع
سوى على علم محدود، وهو ما تقوم به الحياة وتستقيم به الأمور “وَمَا
أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا”. (الاسراء: 85). والمستغرب أن
هذا العلم القليل لم يكتشفه الإنسان ولكن يُؤتَاه من قِبَل الله سبحانه، حيث يقول "وَمَا
أُوتِيتُم" ولم يقل وما توصلتم أو اكتشفتم من علم.
لذا
فالإنسان الفطن هو من يضم علم الآخرين لعلمه، وخبرات الآخرين لخبرته. فيطلع على ما لا يسمح له عمره القصير بأن يطلع عليه. فقد كان، ولا
يزال، ديدن العلماء على مر العصور أن يتعلموا أولاً من أسلافهم قبل أن يشاركوا في
صناعة العلوم. لذا كانوا ولا يزالوا أحياء، فمن يُرد أن يحيا حياة مديدة فليس
أمامه أفضل من العلم، وعلم السابقين أولاً. فالعلم حياة تضاف لحياتنا وعلوم تُضاف
لعلومنا. ولله در سابق بن عبد الله البربري:
واسـتَخبِرِ
الناسَ عمّا أنت جَـاهِلُه إذا عَمِيتَ فقد يَجلو العَمَى الخَبَرُ
ويظل
العلم حياة، فهو ما يجعلك موصولًا بأعمال الدنيا بعد الموت، كما روى مسلم عن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ
عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: منها "عِلْمُ يُنْتَفَعُ بِهِ".
في
مسيرته الكونية، يتنقل الإنسان بين حياة وأخري، وترتبط كل حياة بعلم، يتكشف في حينه. فمن العدم إلى أصلاب الآباء، ثم رحم الأمهات، ومن الحياة
الدنيا إلى حياة البرزخ، قبل أن يستقر في الحياة الآخرة. فمن العدم الذي لا يعلم
عنه شيئًا يولد الإنسان ضعيفًا جاهلًا، لا حيلة له حتى أبسط أموره لا يأخذ فيها
قرار.
وخلال
حياته، يطلع الإنسان على شتى المعارف، ويستطيع من أن يٌميز بين الصالح والطالح. وبين الخطأ
والصواب. هذه الفترة التي يقضيها يتعلم، ثم يزداد علمه، ثم يرد إلى فترة
ينقضي فيها العلم والصحة والقوة.
هذا
هو ملخص حياة الإنسان، الحياة الدنيا، خلالها يتعلم ما قد كان في حياة العدم قبل مولده، ويدرك أمورًا لم يكن يدركها قبل ذلك.
وهذا علم بما كان خفي عنه، ومع هذا كل ما أوتي من علم في هذه الحياة هو ضئيل بل لا
يٌذكر.
وبالموت
ينتقل الإنسان من الحياة الدنيا، وهي أدني الحيوات، إلى حياة البرزخ بعد الموت وقبل البعث، ومن علم إلى علم مختلف. فكما ازداد علمه في حياته
الدنيوية الأولى، واتسعت مداركه، فإنه في حياة البرزخ يزداد علمًا بالغيبيات التي
سمع عنها في حياته الدنيا. فما اطلع عليه من علوم وغيبيات في الدنيا هو قليل
مقارنة بعلوم حياة البرزخ.
ثم ما يلبث أن
ينتقل الى الحياة الآخرة ويطلع فيها علي علم وغيبيات لم يكن يعلمها في حياتيه
السابقتين. وهكذا فكل حياة يرتبط معها علمها الخاص. وفي كل حياة يزداد الإنسان
يقينا بجهله في حياته السابقة، ويزداد إيمانا بكون ما تعلمه في الحياة السابقة هو
قليل من كثير.
وفي
المقابل، يمكن للإنسان أن يحيا وأن يطلع على بعض من الحيوات التي لم يعشها، ولا
يتأتى ذلك إلا بالعلم. فمن قضى وقته في
مدارسة العلم في حياته الدنيا، فقد اطلع على علوم الحيوات الأخرى، لذلك لا عجب أن
قلنا إن العلم حياة.
فمن
تعلم العلم وعلمه فكأنما امتدت حياته لما قبل وبعد موته، كأنما ينتقل من حياة إلى حياة ومن علم إلى علم. فالعلم يفتح باب المعرفة
عن فترة العدم والحياة الدنيا والبرزخ والآخرة، ويطلع عليها وهو في حياته الدنيا
لم يغادرها. ربما يكون اطلاع محدود، لكنه يكفي للإيمان بقدرة الله، وسببًا في أن يُحشر
المرؤ في زمرة العلماء، وهكذا فالعلم حياة.
والعلم
يرتبط ارتباطًا وثيقا بالعقل، فكلاهما يصقل الآخر، فإن لم يوجد العقل الذي يستوعب العلم فلا قيمة للعلم، وأن لم يَسْعَ
الإنسان للعلم فعقله بلا شك محدود.
كفي بالمرؤ شرفًا أن
ينتسب للعلم، ومن هذا المنطلق يقف على أبواب العلم الكثير من المنتسبين، لا
يبتغون العلم في ذاته، ولكن يبتغون صيتًا أو شرفًا مزعومًا لا غير، وهؤلاء كُثُر،
يصرون على أنهم من ذوي العلم طمعًا في رقي، لن ينالوه، فالعلم دائمًا ما يطرد
الزبد.
وفي
عصرنا تموج المكتبات بكتب سطر فيها العلم تسطيرًا، وهذا الكتاب نفسه لا يعقل بما
بداخله. فليس لديه عقل يعي
قيمة ما يحتويه من علم. قال تعالى: "مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ
ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا" (الجمعة:
5). فالعلم متاح لمن يسعي إليه، يمن الله به على من يشاء ممن يطلبه من عباده. لكن إن
لم يصادف عقلًا فلا علم يُجدي ولا فائدة من كتب أو مخطوطات. فالعقل متمم للعلم. لذا، فالعلم ليس حياة فقط بل عقل وحياة.



























