أغذية لا تفسد...احذر
أستاذ علوم الأغذية
تمنحنا قسطاً من الرضا، وتُشعِرنا بالطمأنينة
تلك الأغذية التي قلّما تَفسَد؛ حيث يتسرب لأذهاننا أنها خالية من الميكروبات
المُفسدةُ والمُمرضة. فقد لا تبدو علامات الفساد والتلف على بعض الأغذية المُصنعة والمُعرضة
للجو برغم مرور بِضع أيام على ذلك. فهل حقاً تلك الأغذية آمنة الجانب؟
تعريف فساد الأغذية:
لفساد الأغذية أكثر من تعريف نعرض
بعضها فيما يلي:
·
تغير يحدث في الغذاء يكون من شأنه التأثير على خواصه
بسبب نشاط ميكروبي أو كيميائي أو ميكانيكي ضار مما يؤدي إلى رفضه من قِبل المستهلك
أو منعه من التداول من قِبل الجهات الرقابية لعدم مطابقته للمواصفات الخاصة بشروط
جودة وسلامة وصحة الغذاء.
·
هو تغيرات في مظهر ونكهة وتركيب الغذاء بسبب نمو الجراثيم الذي يؤدي إلى تدهوره وفساده وتحلله.
·
حالة التعفن التي تصيب المواد الغذائية فتُصبح غير صالحة
للاستهلاك الآدمي، أو تقل جودتها لأدنى حد بسبب تأثير بعض العوامل.
·
كل تغير يجعل الغذاء غير مقبول (مرفوض)من قِبل مجموعة من
المستهلكين.
وقد يُنبئ فساد الأغذية عن نفسه بنمو
الميكروبات (بكتيريا، فطريات، خمائر)؛ فإما تنمو خارجياً (سطحية النمو)، أو داخلياً؛
منتجة روائح وطعوم غير مقبولة، وبذلك يحكم الغذاء على نفسه بالرفض أو الإعدام. وقد
لا يُعلن الفساد عن نفسه إلا بعد تناول الغذاء وإحداث اضطرابات واعتلالات صحية أو
أعراض مَرضِية. فربما يكون ظهوره صاعقاً، وهو ما يعرف بالتسمم الغذائي الذي ينشأ عن نمو أحد أنواع بكتيريا التسمم الغذائي
مثل Clostridium
botulinum. أو بطيئاً متراخياً بسبب الإضافات الغذائية (مُحسنات ومواد حافظة كيميائية) التي لا ينجو
منها أي غذاء مُصَنّع.
هل هناك ضرورة لاستخدام المواد الحافظة في
الأغذية؟
سؤال يطرح
نفسه، لتأتى الإجابة بيقين راسخ، نعم؛ فللحفظ فوائد سبع؛ اقتصادي، إنساني، علمي، جمالي،
غذائي، ...... لكنه "أمانة"، فالالتزام بالنسب المحددة والنوعية المسموح
بها (الآمنة) من قِبل الهيئات العلمية أمانة في عُنق المصنعين، فأي مُخالفة هي
خيانة عظمى، فنتيجتها أمراض خطرة وخسائر في الأرواح والأموال.
إنه من الصعوبة بمكان التنبؤ بتأثير
المواد الحافظة الكيميائية على الصحة، فمأكولاتنا ومشروباتنا تَعُجُ بتلك الكيماويات
حتى أصبحت أجسامنا مستودعًا لسمومها فهي تتراكم فيينا ببطء من النطفة حتى الشيخوخة
فصارت مكون أساسي في كل خلية، تؤثر سلباً على وظائفها مما ينعكس على وظائف الأعضاء
والجسم عموماً. سنحاول الحديث عن بعض المواد الحافظة وأثرها اعلى الصحة.
فلقد أُستخدم سائل التحنيط
(الفورمالين) لمنع نمو أي كائن دقيق بالحليب
فيحفظه ويمنع تخثره، كذلك تضاف أملاح حمض البنزويك
والسوربيك والعديد من المواد الحافظة الأخرى لإطالة صلاحية الأغذية المصنعة
ومنع تلفها بالكائنات الدقيقة. لقد حدد موقع إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA قائمة تتخطى الألف من المضافات المعتمدة والتي يمكن لمنتجي الأغذية
إدراجها في مُنتجاتهم. لكن المؤسف، لا تتضمن القائمة وصفًا للآثار الجانبية المحتملة
المرتبطة بهذه المضافات.
هناك علاقة وثيقة الصلة بين
تناول أغذية محفوظة كيميائيًا وبين قافلة من الأمراض، نذكر منها الحساسية الصداع النصفي، تلف الكبد والكلى
العيوب الخلقية أضرار بالمخ، فرط النشاط، الربو و الأكزيما والقائمة تطول.
بعض أمثلة للمواد الحافظة الكيميائية
وتأثيراتها:
أملاح حمض البنزويك (بنزوات
الصوديوم)، وبرغم إمكانية استخدامها
كعلاج لاضطراب دورة اليوريا في الجسم عند زيادة مستوى الأمونيا - تحت رقابة طبية والأخذ في الاعتبار آثارها
الجانبية مثل آلام الصدر والارتباك - إلا أن الزيادة منها تؤدي إلى تفاقم أعراض اضطراب
نقص الانتباه والنسيان وصعوبة التركيز واتّباع الاتجاهات وفرط النشاط والحركة Attention-Deficit Hyperactivity
Disorder (ADHD)، والاندفاع
والعنف عند الأطفال. وقد تظهر نفس الأعراض للبالغين بصورة أقل حدة، كما قد يكون
لها دور في ظهور مرض "باركنسون". لكن وللإنصاف فمن الصعب تحديد العلاقة الدقيقة
بين بنزوات الصوديوم وفرط النشاط (ADHD) فقد يتداخل تأثير البنزوات مع تأثير إضافات أخرى. إلا أنها توفر مزيداً
من الصوديوم الذي يرتبط بشدة مع ارتفاع ضغط الدم مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب
والكلى والسكتة الدماغية.
حمض السوربيك وأملاحه مثل سوربات الصوديوم وسوربات البوتاسيوم وسوربات الكالسيوم،
هي عوامل مضادة لنمو الميكروبات تستخدم كمواد حافظة في الأغذية والمشروبات لمنع نمو
الفطريات والخمائر. لكن هناك العديد من الآثار الجانبية المحتملة حين استخدامها بالتزام
والمؤكَدَةُ باستخدامها بإفراط وهي إسهال، دوخة احمرار الجلد، صداع، زيادة في التبول،
غثيان وقيء، وتقلصات بالمعدة.
يُستخدم كلوريد القصدير (E512 ) كمضاد أكسدة وعامل حفظ
وتثبيت ألوان العصائر و المشروبات
والأغذية المعلبة. بلا شك فالقصدير من العناصر الثقيلة شديدة الخطورة على الجسم
خاصة أنسجه الكبد والكلى والمخ، وقد تسبب الزيادة منه درجة من التسمم.
نيتريت الصوديوم (E250) يستخدم لزيادة ثبات
لون اللحوم المصنعة مثل اللانشون والبسطرمة وإعاقة نمو وتكاثر ميكروبات الفساد
والتسمم الغذائي. ويؤخر التزنخ وتفسخ اللحوم وهو من أكثر المواد الحافظة خطورة؛
فوجودها في السلسلة الغذائية يؤدي إلى تكون النيتروزأمينات المسببة للسرطان.
بدائل
آمنة
قد يظن القارئ أن حفظ الأغذية وإطالة فترة
صلاحيتها قاصر على الإضافات الكيميائية،
لكن هناك عدة طرق طبيعية آمنة لحد كبير يمكن استخدامها في ذلك الشأن ومنها
المعاملة الحرارية تبريداً وتجميداً وبسترةً وغلياناً وتعقيماً، وكذلك عملية
التخمر التي تعدمن أقدم وأسهل وأبسط وآمن عمليات الحفظ؛ وهو يُلائم البلدان النامية
والمجتمعات الريفية ذات الإمكانات المحدودة. كما أن الأغذية المختمرة أكثر طلباً من قِبل
المستهلكين الأكثر وعياً بسبب خلوها من المواد الحافظة الكيميائية وفوائدها الصحية.
وتقوم فكرة التخمر على عدة أُسس؛ منها تقليل مستوى التلوث الميكروبي في الطعام، ومنع
نمو الميكروبات الملوثة، وقتل الكائنات الدقيقة الملوثة، وإزالة الكائنات الدقيقة الملوثة.
ولا نتوقع من عملية التخمير حفظ المنتجات الخام متدنية الجودة، بل يجب أن تُستخدم خامات
عالية الجودة.
يمكن لكائنات التخمر الدقيقة
أن تحسن القدرة التنافسية للخامات الغذائية من خلال تُغيرها لتصبح بيئة مثبطة أو مميتة للكائنات الحية
الضارة بينما تحفز نموها الخاص، وهذا هو أساس حفظ الغذاء بالتخمير. حيث تقوم كائنات التخمر المرغوبة بإنتاج بعض الأحماض
العضوية مثل حمض اللاكتيك والخليك والفورميك ذات الأثر السام على الكائنات الضارة
‘فضلاً عن تخفيضها الرقم الأيدروجينى للغذاء فيصبح غير ملائم لنمو وتكاثر الكائنات الممرضة، كما تَنخَفِض تفاعلات
الأكسدة وتَنضُب المغذيات وتتراكم المثبطات مثل البكتريوسينات والمضادات الحيوية (Lactococcins, nisin, natamycin)، الكحول الإثيلى، بيروكسيد الهيدروجين، داي اسيتايل، ثاني أكسيد
الكربون. ومن أشهر الأغذية المختمرة الخبز وبعض أنواع الأجبان واليوغورت والمخللات
والنبيذ والبيرة...الخ.
وهناك طرق طبيعية للحفظ مثل استخدام المركبات النباتية؛ فهناك حوالي 241 مركب
طبيعي مًشتق من النبات يمكن استخدامها كمضاد ميكروبي في الأغذية والتي تتكون من خليط
من الإسترات والألدهيدات والكيتونات و التيربينات (مكونات الزيوت العطرية). كذلك الفينولات
وهي عوامل حافظة غذائية مهمة تمتلك طيف واسع مضاد للميكروبات مثير للإعجاب، وعلى الرغم
من براعتها وإمكانية استخدامها كمواد حافظة غذائية إلا أنها
نادرا ما يتم استغلالها.
تُصنف المركبات الفينولية إلى ثلاث مجموعات؛ الفينولات البسيطة والأحماض الفينولية
(مثلp-cresolو3-ethylphenol وhydroquinone وprotocatechuic وvanillic وgallic وsyringicacidsellagic) ومشتقات حمض الهيدروكسيسيناميك (مثلp-coumaric،caffeic،ferulic،sinapic acids)،والفلافونويد. وأهم الفينولات في الأغذية تشمل الكاتيكين، البرانثوسيانين،
الأنثوسيانيدين، والفلافون، الفلافونول، وجليكوسيداتها. ثبت أن محتوى الزنجبيل، الزنجرون، والكابتشايينمن
الفينولات، قادر على تثبيط نمو البكتريا غير المرغوبة.
كما أن هناك العديد من الطرق
الأخرى التي تعتمد على:
الحرارة المرتفعة مثل البسترة أو التعقيم أو التجميد أو التبريد.
إزالة الرطوبة مثل التجفيف أو التجفيد .
تأثير الضغط الأسموزي على
كائنات التلف والفساد مثل التمليح أو
التسكير.
ما وددت الإشارة إليه أنه برغم أن هناك طرق طبيعية آمنه إلا
أن هناك طرق تعتمد على إضافة كيماويات أبعد ما تكون عن الأمان فهي سامة
للكائن المُتلف أو المُمرض حيث تعيق نموه وتكاثره، وبالتالي سامة لأي نظام بيولوجي.
وللتذكرة لا
يوجد مادة كيميائية حافظة تحفظ الغذاء بطريقة مطلقة، بل تحفظه لفترة محدودة،
بعدها تتحلل ويزول أثرها، فكلما طالت مدة الحفظ بالتأثير الكيميائي، دل ذلك أحد احتمالين؛
إما هناك إفراط في كمية المادة الحافظة أو استخدام مادة غير مسموح باستخدامها
لخطورتها.
احذر ... إن عدم فساد الأغذية المعرضة للجو لا يعنى أنها آمنة، بل قد تكون خطرة حيث من المؤكد أنها محفوظة بكميات كبيرة من
الكيماويات التي تقتل معظم الكائنات الحية التي تسبب الفساد؛ وبالتالي خطورة هذه
الكيماويات شديدة على صحتك ... تناول طعامك طازجا قدر الإمكان أو على الأقل
محفوظاً بالطرق الطبيعية الآمنة .... تصفح مقالتنا لتعرف المزيد.













